اللغة الصوفية عند جمال الغيطاني

د. وذناني بوداود
جامعة الأغواط، الجزائر

الملخص:

إذا كان العمل الأدبي هو إبداع لغوي، فإن العمل الروائي هو أكثر من غيره إحساسا بأهمية اللغة نظرا لتعدد أصواته ومشاهده، فهو عمل فني يتقاطع ضمنه الواقعي والخيالي، ومن هنا كان اختيار اللغة من طرف الروائي ليس بالأمر السهل، الذي يمكن التحكم فيه. تبرز رواية التجليات لجمال الغيطاني كرواية تجاوزت قوانينها وأدواتها المعروفة في العمل الروائي لتستعير قوانين وأدوات الكتابة الصوفية، فكان أن جاءت بأسلوب جديد في الكتابة لم تألفه الرواية العربية من قبل، مما تولد عنه نص مملوء بالعجائبية والغرائبية يلفه أسلوب يتوشح اللغة الصوفية وأبنيتها الفنية. ومن هنا كانت لغة هذا العمل الروائي ليست هي لغة الغيطاني الروائي أو لغة الحياة اليومية التي يعيشها، وإنما هي لغة التصوف، لغة الباطن، تلك اللغة التي تفيض سحرا ليس لعذوبة ألفاظها وإنما لغموضها، ذلك الغموض الذي يسد أبواب الفهم أمام المتلقي في الكثير من المحطات.

الكلمات الدالة:

الرواية العربية، جمال الغيطاني، الكتابة الصوفية، اللغة، الأدب.

***
Sufi language by Jamal al Ghitani

Abstract:

If the literary work is a linguistic creation, then the fictional work is more than others a sense of the importance of language due to the multiplicity of its voices and scenes, it is a work of art that intersects within it the real and the imaginary, hence the choice of language on the part of the novelist is not an easy matter, which can be controlled. The novel Al-Tajalliyat by Jamal al-Ghitani stands out as a novel that transcends its laws and tools known in the work of fiction to borrow the laws and tools of Sufi writing. It was that it came in a new style of writing that the Arabic novel was not familiar with before, resulting in a text full of wondrous and exotic, wrapped in a style that illustrates the mystical language and its artistic structures. Hence, the language of this fictional work is not the language of the novelist Al-Ghitani or the language of his daily life, but rather the language of mysticism, the language of esotericism, that language that overflows with magic not because of the sweetness of its words but rather its ambiguity, that ambiguity that blocks the doors of understanding before the recipient in many stations.

Key words:

Arabic novel, al Ghitani, Sufi writing, language, literature.

***

النص:

تحاول هذه المداخلة المتواضعة الوقوف على علاقة اللغة الصوفية بالخطاب الروائي، والكشف عن الكيفية التي تعامل بها الروائي مع لغة الآخر الصوفي التي تؤسس للاختلاف والتباين لها مصطلحاتها التي تقوم عليها. وتجب الإشارة من البداية إلى أن هذه المداخلة لا تدعي لنفسها الإحاطة بكل شيء، أو أنها تدعي تقديم قراءة تحيط بخفايا النص ظاهرا وباطنا. وإنما هي محاولة قد تصيب وقد تخطئ وقد تجانب الحقيقة التي يقوم عليها النص وقد تبتعد. ولذلك فهي تقف عند محطات بعينها في حدود ما يسمح به من بوح بأسراره لأن النص الأدبي ومهما كان جنسه لا يبوح بأسراره بسهولة، وعلى ضوء ما قلناه نحاول مقاربة نص "التجليات" لجمال الغيطاني بوصفه عملا متميزا يمتح من الخطاب الصوفي تقنيته اللغوية فهو نص روائي يتوشح باللغة الصوفية.

1 - السرد الروائي وسحر اللغة:

لا يختلف اثنان في حقيقة أن اللغة هي المادة الأساسية للعمل الأدبي وبدونها لا تقوم له قيامة، ومن ثم كان أصعب ما يواجه الأديب هو لغة الكتابة، فهو يحاول دائما أن يمنح ألفاظه دلالات جديدة تعطي لما يكتبه بعدا معرفيا وجماليا يتعدى الماثل إلى فضاءات كونية بعيدة العمق في الذات الإنسانية.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن العمل الروائي هو أكثر من غيره إحساسا بأهمية اللغة نظرا لتعدد أصواته ومشاهده، فلعل (اللغة السردية التي يختارها السارد لروايته أن تكون من أشق التقنيات وأعسرها مراسا، وأبعدها إدراكا)(1) لأنه عمل فني يتقاطع ضمنه الواقعي والخيالي، واللغة هي الوحيدة القادرة على بناء عوالم خيالية، (فليست اللغة في العمل الأدبي مجرد أداة لنقل وتوصيل الصور والدلالات والمضامين إلى وجدان المتلقي وذهنه... بل هي جزء عضوي من بنية هذا العمل نفسه)(2). والأكثر من ذلك أن النص الأدبي هو الميدان الذي تمتحن فيه اللغة، و حتى تؤدي دورها كاملا لا بد وأن تتحلى بكل زينتها. وعليه فجمال العمل الروائي لا يتحقق إلا من خلال اللغة الجميلة الساحرة، لأن (السحر اللغوي إذا غاب عن العمل الروائي غاب عنه كل شيء: غاب الفن، وغاب الأدب معا)(3)، فاللغة التي تشع سحرا هي اللغة التي تأسر المتلقي وتشده.

وفي سياق علاقة العمل الروائي باللغة الساحرة تبرز رواية التجليات لجمال الغيطاني من بين كل الأعمال الروائية العربية فهي تقوم على أسلوب جديد في الكتابة لم تألفه الرواية العربية من قبل، أسلوب يتجاوز تلك التقنية المعروفة في الرواية التقليدية، والمتلقي لهذه الرواية يلاحظ أن لغتها ليست لغة الغيطاني أو لغة الحياة اليومية وإنما هي لغة التصوف والمشاعر الروحية أي لغة الآخر الصوفي.

إن هذه الرواية البالغة التعقيد والتي قال عنها في يوم ما أحد النقاد العرب بأنها رغم جدتها وتعقيد بنيتها تتضمن (حكاية بسيطة نستطيع أن نرسم ببساطة معالمها المتخفية في تجليلاتها)(4) إن كلاما مثل هذا غير مؤسس لأنه يضر بعمل فني هو من أكثر الأعمال الرواية إشكاليا نظرا لتقنيتها الجديدة وللغة الآخر التي تنساب في داخلها.

2 - إشكالية اللغة الصوفية:

إذا كنا نتفق على أن المعرفة الصوفية تعتبر من بين الروافد المعرفية الهامة، التي أثرت تأثيرا كبيرا في النسق الثقافي العربي الإسلامي، لما تحمله من حمولة معرفية فكرية، ضاربة الجذور في الفكر الإنساني. فإننا لا بد وأن نتفق على أنها شكلا معرفيا مغايرا لما هو قائم من أنساق معرفية أخرى. وبما أنها كذلك فقد أفرزت خطابا يتقاطع مع الفكر الذي ألفه المتلقي، في المنظومة الثقافية السائدة، خطاب يؤسس للاختلاف. لأنه (يعالج مسائل يستعصى على العقل غير المؤيد بالذوق أن يدركها ويستعصى على اللغة غير الرمزية أن تفصح عن أسرارها)(5) مما نتج عنه بروز نسقا معرفيا تنعدم فيه الحركة التواصلية لانعدام وسيلة التبليغ فيه. فالخطاب الصوفي تحكمه إستراتيجية تقوم على تلك العلاقة التي تقوم بين الصوفي والله، وبذلك فهو خطاب يسير في اتجاه عمودي (الصوفي - الله) خطاب يتعارض - إن لم نقل يتناقض - مع كل الخطابات الأخرى.

وخطاب مثل هذا أوقع الآخر غير الصوفي في إشكالية الفهم، فالصوفي وإن كان يستعمل نفس اللغة التي يستعملها الفقيه والمحدث واللغوي والمتكلم والأديب إلا أنه (عمد إلى تحويل دلالاتها الطبيعية إلى دلالات مغايرة تقوم على أسلوب الإشارة والرمز)(6) وبفعله ذلك جعل من مشكلة الدلالة اللغوية سلما لبلوغ ما يريد الوصول إليه. بحيث نقل اللغة إلى فضاء روحي غيبي، مكنه من تجاوز مدلولاتها الظاهرة ومصطلحاتها المتداولة في العلوم العقلية الأخرى. لذا ففهم الخطاب الصوفي تقتضي فهم الإستراتيجية التي يقوم عليها وهي إستراتيجية تبدأ من معرفة الباث:

أ - الباث السالك: والمقصود به الذات التي يصدر عنها الخطاب الصوفي وهو ما يعرف في عرف مشايخ التصوف بالعارف، وهو شخص غير عادي وغير طبيعي في كلامه وتصرفاته. ويرجع ذلك لخصوصية التجربة الصوفية المنفردة لانفتاحها على المطلق (علاقة الصوفي بالله). ينسب للشبلي قوله (المعرفة أولها الله (المطلق) وآخرها ما لا نهاية له)(7). فالعارف يرى بقلبه لا بعقله، فبالقلب يدرك خفايا الأشياء والكون لأن حجاب الأشياء تهتك أمامه. وبذلك تتحطم كل الحواجز التي تفصل بين الأشياء فيصبح الكل عالما واحدا.

وحتى لا يقع اللبس بينه وبين غيره قام مشايخ التصوف بتبيين علامات العارف. فالحسين بن منصور الحلاج وهو من أقطاب التصوف الكبار يقول (علامة العارف أن يكون فارغا من أمور الدارين، مشتغلا بالله وحده)(8) فالتجرد من نوازع الذات وصفاتها، صفة تمكنها من الفناء في المطلق (الله). وينسب إلى أحد المتصوفة قوله: (بقدر ما تكون أجنبيا عن نفسك، تكون قادرا على المعرفة)(9). وليس بالضرورة في عرف مشايخ التصوف أن يكون العارف عالما لأن ذلك ليس شرطا. يقول ابن عجيبة (وكثير من الأولياء الأكابر كانوا أميين وفي أسرار الولاية راسخين)(10) وتلك إشكالية أخرى تطرحها المعرفة الصوفية، إشكالية تتعدى ذات العارف إلى اللغة التي تصدر عنه، فالذات المخولة لإصدار الخطاب في المعرفة الصوفية، هي ذات خاصة أي الذات الواصلة وبعبارة أوضح الذات التي وصلت درجة العارف، وإن كان للنفري طرح آخر فالواقف في نظره أكبر درجة من العارف.

والرسوخ في المعرفة الصوفية يثبت ما ذهبنا إليه سابقا من أن الخطاب الصوفي هو خطاب إشكالي لا يتأتى لصاحب العقل فهم مقاصده. فالصوفي لا يوجه خطابه للآخر المتمثل في المتلقي وإنما يوجه خطابة لله مباشرة، دون الإنسان، وهنا يقع الإشكال الذي لا يجد جوابا. وقد أكد ذلك سهل بن عبد الله عندما قال (أنا منذ ثلاثين سنة أكلم الله، والناس يتوهمون أني أكلمهم)(11). لأن لغة الصوفي هي لغة مغايرة تتوافق مع مواجده الداخلية، وهو ما يؤكد خلو الخطاب الصوفي من ميزة التواصل.

ب - معرفة الظاهر والباطن: من البداية فرقت المعرفة الصوفية بين المعرفة العقلية والمعرفة الذوقية الباطنية. وأكد مشايخها على أن المعرفة الصوفية هي معرفة باطنية بعيدة كل البعد عن المعرفة العقلية، ولم يقفوا عند هذا الحد، بل ذهبوا أكثر من ذلك إلى ذم العقل واتهامه بعدم الإحاطة بالمعرفة الباطنية. (لأن العقل في نظرهم محدود الأفق لا يمكنه الإحاطة بكل شيء، وأن العلم الباطني، يحصل في حالة المحو وليس الصحو)(12). فهي معرفة تؤسس لخطاب مغاير هو خطاب الاختلاف، خطاب يؤسس لمتلق آخر مغاير للمتلقي المعروف. مما يجعل التواصل في هذا الخطاب يتم بطريقة معقدة، بسب تجاوزه لقوانين الخطاب المتداولة في الثقافة السائدة. لأن المعرفة التي يصدر عنها هي معرفة المخفي، معرفة تثير الدهشة بغموضها وسحر تعابيرها، لذا لا يمكن تعليلها بواسطة العقل، لأن منبعها القلب (فالقلب عند الصوفية هو محل الكشف والإلهام وأداة المعرفة والمرآة التي تتجلى على صفحاتها معاني الغيب)(13).

أما أصحاب المعرفة العقلية فـ (ليس لهم نفوذ إلى ما وراء العبارة بنور الفهم كما لأهل الله)(14). كما يذهب إلى ذلك ابن عجيبة. لأن المعرفة الصوفية هي (أذواق باطنية وأسرار ربانية لا يفهمها إلا أربابها فذكرها لمن لا يفهمها ولا يذوقها جهل بقدرها)(15). معرفة لا يمكن للعقل شرحها أو تبيين معانيها لمحدوديته وارتباطه بالمحسوسات. وهذا الطرح المتعالي أدى بمشايخ التصوف إلى الخوف عن معرفتهم من الآخر، فالمطلع على ما كتبه مشايخ التصوف يلاحظ ذلك الحرص الشديد على أخفاء معرفتهم عن الآخر، وكأن في نية القوم حرمان الآخر من تلك المعرفة. لذا كانت الحقيقة في هذه المعرفة خفية غير معلنة، فهي معرفة لا تفصح عن حقيقتها، وهو ما يؤكد رفض الخطاب الصوفي للآخر.

وفي اعتقادنا أن لجوء مشايخ التصوف إلى المعرفة الباطنية الذوقية كان من أجل قطع الطريق أمام الآخر غير الصوفي حتى لا يظفر بخفايا تلك المعرفة الغيبية وهو ما يؤكد رفض الصوفي، الدخول في النسق المعرفي العقلي.

ومن هنا كانت مقاربة المعرفة الصوفية بواسطة العقل تعد مغامرة غير مأمونة النتائج لأن المعرفة الصوفية تتم عن طريق البصيرة الكاشفة التي منبعها القلب. و(علوم المكاشفة أو الإلهام هي مما لا يمكن ترجمته إلى جمل ومفاهيم عقلية ومنطقية)(16) فعلم الأذواق لا يؤخذ من الأوراق وقد نقل عن بعض مشايخ التصوف قوله لبعض مريده (إياك وطلب الدليل من خارج، فتفتقر إلى المعارج. أطلب الحق من ذاتك لذاتك، تجد الحق أقرب إليك من ذاتك)(17) ومعرفة بهذه الشاكلة لا بد وأن تكون فيها وسيلة التبليغ معقدة، فعملية التبليغ وكما هو معروف لا بد أن يتوفر فيها شرطان ضروريان هما:
- خاصية التواصل: بحيث تكون لغة الباث والمتلقي واحدة.
- أن تكون معاني وأفكار الخطاب مما يدركه العقل.

3 - اللغة الرمزية "الإشارية":

هناك فرق واضح بين اللغة الصوفية واللغة الطبيعية فالأولى لغة كونية خاصة أما الثانية فهي لغة التخاطب والتواصل لذا نجد الكثير من مشايخ التصوف يؤكدون على أن لغتهم هي لغة خاصة بينهم لا تتعداهم إلى الآخر لأنها لغة ذوقية وليست لغة عقل. وهكذا نشأ التناقض لأن اللغة العادية الطبيعية (تقول الأشياء كما هي، بشكل كامل ونهائي، بينما الصوفية لا تقول إلا صورا منها، ذلك أنها تجليات المطلق، تجليات لما لا يقال، ولما لا يوصف، ولما لا تتعذر الإحاطة به. فما لا ينتهي لا يعبر عنه إلا ما لا ينتهي)(18) فقد أنشأ مشايخ التصوف لغة جديد هي لغة الكشف والغيب والأسرار لغة تجاوز مفاهيم اللغة الطبيعية المتعارف عليها. لأن الصوفي يعمل دائما على البحث في باطن الكلمة قصد إيجاد معنى خفي لا يهتدي إليه العامة (العامة في عرف المتصوفة هم غير المتصوفة) وبذلك يزيح عن الكلمة معناها الظاهري ويلبسها معنى آخر باطني يصعب فهمه من طرف من لاحظ له في معرفة مصطلحات القوم.

فاللغة في نظر الصوفي يسكنها الاختلاف، وبذلك أخرجها عن طبيعتها المعهودة بين الناس وجعل منها لغة أخرى لا يفهمها إلا هو، مما أحدث في اللغة تشويشا معرفيا لا يمكن التخلص منه بسهولة، (إنه يضع الكلمات في فضاء لم تعهده، ومن هنا يخلق بها جمالا غير معهود)(19). فمن خلال اللغة الكثيفة المرمزة المشفرة يقيم الخطاب الصوفي أولى آليات التعارض والتضاد مع أشكال المعرفة الأخرى سواء كانت دينية شرعية أو غيرها، مما أحدث شرخا في المعرفة الإنسانية نتيجة غياب وسيلة التبليغ بين الصوفي والآخر، فـ (التجربة الصوفية تحتاج إلى إنكار الفاعلية العقلية أو انعدامها، ومن ثم الانصراف إلى شيء كثير من الوجد والحب وهو من أقوى النزاعات الروحية في الإنسان)(20) فالتجليات الصوفية لا يمكن أن تدرك بالعقل الواعي، وإنما يتذوقها القلب. ويقول الجيلي: (فلا شيء من المخلوقات يذوق ما لله تعالى إلا القلب)(21) فاللغة الطبيعية لا تساعده في الوصول إلى المعرفة التي يريد تأسيسها لأنها وجدت أصلا للتعبير عن المحسوسات، فهي لا تصلح للتعبير عن الأسرار الكونية الخفية. فاللغة الطبيعية هي نتاج العقل والصوفية لا تقيم أي اعتبار للعقل لأنه في نظر مشايخها عاجز عن الوصول إلى الحقيقة الكونية.

فالصوفي هو فان عن ظاهره حي في باطنه لذا أصبح إلزاما عليه أن يتجاوز لغة الظاهر بلغة أخرى يسكنها معنى آخر مغاير لما هو معروف في اللغة الطبيعية، معنى يصدم المتلقي ويشوش عليه الفهم، والاعتقاد السائد عند مشايخ التصوف أن كلامهم لا تحيط به العبارة. لأن اللغة الصوفية (هي تلك اللغة الإشرافية التي غلب عليها الفيض النوراني والمواجيد والشطح والسكر)(22)، والاعتقاد السائد عند مشايخ التصوف أن كلامهم لا تحيط به العبارة. فالمقولات الروحية التي أسس عليها مشايخ التصوف معرفتهم هي مقولات ذوقية باطنية، وبذلك فهي لا تتلاءم مع لغة عالم الحس والمشاهدة، فكان التحذير من تلك اللغة. (فإياك أن تقف مع اللفظ القصير فتسحر به عن المعنى العريض، فإن اللفظ للعامة والمعنى للخاصة)(23).

وبهذا فرض الخطاب الصوفي آليات جديدة على المتلقي قللت من المسافة بينهما، فهي متذبذبة متناقضة لا تستقر على مفهوم واضح. يقول القشيري (أعلم أن لكل طائفة من العلماء ألفاظا يستعملونها، وقد انفردوا بها عمن سواهم، كما تواطأوا عليها لأغراض لهم فيها، من تقريب الفهم على المتخاطبين بها، أو للوقوف على معانيها بإطلاقها، وهم يستعملون ألفاظا فيما بينهم، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم، والستر على من باينهم في طريقتهم، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع من التكلف، أو مجلوبة بضرب من التصرف، بل هي معان أودعها الله تعالى في قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم)(24) إن فهم اللغة يعني فهم حقيقة الذات الصوفية. لأن الذي يفهم تلك الذات يمكنه أن يصنفها وإذا صنفها يمكنه فهم اللغة التي تصدر عنها نظرا للتعالق الحاصل بين الاثنين. وفهم الإستراتيجية التي يقوم عليها الخطاب الصوفي يمكن أن يسهل علينا فهم ما يريد أن يصل إليه الغيطاني من خلال نصه التجليات، لأن الذوات تتفاهم عندما تتقارب في التفكير وفي دلالة الكلمات إذن فاللغة الصوفية هي لغة ذلك الآخر المتميز بغموضه الكوني وخطابه المشفر، فهو لا يساعد المتلقي على الوقوف على المعنى الذي يبثه.

4 - الرواية العربية واللغة الصوفية:

يلاحظ المتتبع لمسار الرواية العربية بأن الانجذاب نحو اللغة الصوفية بدأ مبكرا ففي رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ نجد أن السارد يحاول ملامسة تلك اللغة من خلال شخصية الشيخ علي الجنيدي بحيث يستنسخ بعض النصوص من أقوال الصوفية كرابعة العدوية، وقد عمل على توسيع هذا الفعل في رواية ليالي ألف ليلة عند ما قام بنقل نصوص صوفية على لسان الشيخ عبد الله البلخي وهي من أقوال مشايخ التصوف كإبراهيم بن أدهم وأبي يزيد البسطامي، ونظرا لخبرته في الكتابة الإبداعية فإن المتلقي لا يشعر بأن هناك تمايز بين اللغة السردية واللغة الصوفية في هذا النص الروائي. إلا أن إدراك معاني ذلك الخطاب يطرح إشكالا لدى المتلقي.

وما يقال عن نجيب محفوظ يقال عن الطيب صالح ففي روايته "مريود" نجده يعمل على محاكاة اللغة الصوفية داخل خطابه الروائي من خلال أقوال الشيخ نصر الله ود حبيب ومريده بلال. وفي اعتقادنا أن هذه الأعمال السردية هي التي مهدت الطريق للغيطاني لولوج فضاء اللغة الصوفية بفضل مطالعاته للتراث الصوفي وخاصة كتابات الشيخ ابن عربي والنفري.

والملاحظ أن هناك تباعد كبير بين التجربة الصوفية والتجربة الروائية، وأن فك الإشكال يتطلب البحث في طبيعة كل منهما، حتى تتضح العلاقة التي يمكن أن تحدث بينهما. وعليه فطبيعة الخطاب الصوفي وما يحمله من إحساسات إنسانية، تكشف عن معاناة الذات البشرية وهي تتعلق بتلابيب الحب قصد الوصول إلى الارتواء من ذات المحبوب، وأن طبيعة الرواية التي تحاول رصد حقيقة الإنسان في الوجود بطريقة أو بأخرى، كل ذلك يجعل المسافة بينهما قصيرة، فكل من الصوفي والروائي يسعى للوصول إلى الحقيقة، الحقيقة المطلقة بالنسبة للصوفي، وحقيقة الوجود بالنسبة للروائي، وأن كلا منهما يحاول أن يقدم للذات الإنسانية ما ينفعها في وجودها، فكلاهما يشارك الإنسانية في همومها محاولا التخفيف من تلك الهموم. لذا جاء توظيف التراث الصوفي من طرف الروائي، وبعثه من جديد في الخطاب الروائي بكل ما يحمله من معرفة روحية، رمزية غيبية ليفتح أمام المتلقي فضاء كونيا لا حدود له، وإن كان التباعد يبقى قائما بينهما.

5 - جمال الغيطاني وسحر اللغة الصوفية:

لقد استفاد الغيطاني كثيرا من قراءاته للمدونات الصوفية، مما مكنه من إبداع نصوص تتقاطع مع تلك النصوص الصوفية وأكبر دليل على ذلك (كتاب التجليات) وهو خطاب لا ينفتح بسهولة على المتلقي نظرا لما يحمله من إشارات ورموز يصعب فك كنهها ومعرفة مقاصد معناها، فهو يحتاج إلى فهم خاص لخلفياته ومعرفة عميقة بآليات بنائه، نظرا لقوانينه وإستراتيجيته المعقدة التي تميزه عن غيره من الخطابات الروائية الأخرى، فقد استطاع الغيطاني باستلهامه للمعرفة الصوفية أن ينسج نسقا معرفيا متميزا، يؤسس لوحدة المتناقضات (الظاهر-الباطن). التي يتأسس من خلالها الخطاب الصوفي. إن انجذاب الغيطاني إلى عالم التصوف يعرب عن حقيقة مفادها أن الروح الصوفية المتمردة على المألوف والمتعالية على الواقع المعيش لا زالت ترسم المشهد الحياتي للذات العربية، مادام الزمن العربي يعيش الظلم والتسلط والقهر وإقصاء الآخر.

وبهذا العمل الفني تمكن الغيطاني من اقتحام عوالم الخفاء والغيب وما وراء الواقع، عوالم خارجة عن سلطة الزمان، ومحدودية المكان. فقد جاءت تجلياته عبارة عن رحلة معراجية خيالية متأثرة بالمعراج الروحي لدى الصوفية. وخاصة الشيخ ابن عربي في كتابه (الإسراء إلى مقام الأسرى)، إن معايشة الغيطاني الطويلة للتراث الصوفي جعلته يدرك مدى العلاقة التي تربط بين المعرفة الصوفية - وما تحمله من أبعاد روحية وإنسانية - والسرد الروائي الذي يعمل على نقل هموم الإنسان، والكشف عن طبيعة الصراع الذي يخوضه في حياته اليومية، فكلاهما يعمل على نقل معاناة الإنسان.

ويبدأ سحر اللغة الصوفية يتجلى للمتلقي بداية من عنوان الرواية (كتاب التجليات الأسفار الثلاثة) المستنسخ من عناوين الشيخ ابن عربي، وهو ما كان يعول عليه الكاتب في عمله هذا نظرا لأهمية العنوان، ففقهاء الأدب يؤكدون على مدى أهمية العنوان بالنسبة للكاتب لما له من دلالات تفضي إلى مكنونات النص. فكلما كان العنوان جذابا كل ما كان أكثر تأثيرا في المتلقي. وأن التحكم في العنوان معناه التحكم في مسارات النص، لذا فإن الغيطاني بعنوانه هذا قد وضع المتلقي في حيرة من أمره لما أحدثه لديه من مفاجأة بسبب غموضه، فهو عنوان إشكالي يضع المتلقي أمام متاهات لا يخرج منها بسهولة، والحق يقال إن الغيطاني قد اعتمد تلك الإستراتيجية الذكية من أجل التأثير على المتلقي.

والملاحظ على فلسفة الغيطاني في وضع العناوين أنها مستمدة مباشرة من فلسفة الشيخ ابن عربي في وضع عناوينه، فهو مولع مثله بكثرة العناوين إلى درجة كبيرة. أما اللغة الصوفية فقد مارست هيمنتها الكلية على السارد بداية من عنوان الرواية وانتهاء بالعناوين الجزئية، وأن عناوين مثل (تجلي وسفر وحال ومقام) والتي تعد المفاتح الأساسية للغة الصوفية كانت الأساس الذي أقام عليه الغيطاني بناء عمله وهو ما يؤكد انجذابه نحو اللغة الصوفية التي بهرته بسحرها الكامن في أسرار ألفاظها. إلا أنه ورغم ذلك لم يستفيد من لغة الآخر الصوفي لأنه لم يبلغ الدرجة التي تدفع الصوفي بث تلك اللغة. وهكذا تبقى لغة الصوفي هي لغة الآخر الذي لا نعرف عنه شيئا. وأن الغيطاني وظف لغة الصوفي دون أن يضعها في مكانها لذا جاءت لغة غريبة عن النص وإن كان سحرها يتجلى في فضائه.

الهوامش:
1 - عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1995، ص 223.
2 - انظر، محمود أمين العالم: أربعون عاما من النقد التطبيقي، دار المستقبل، القاهرة 1994، ص 149.
3 - عبد الملك مرتاض: في نظرية الرواية، عالم المعرفة، الكويت، ص 131.
4 - محمود أمين العالم: المرجع السابق، ص 143.
5 - ابن عربي: فصوص الحكم، تح. أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، ط2، بيروت 1980، ص 9.
6 - عبد المجيد الصغير: إشكالية إصلاح الفكـر الصوفي، دار الأفاق، ط2، المغرب 1994، ص 18.
7 - أدونيس: الصوفية والسريالية، دار الساقي، ط2، بيروت 1995، ص 40.
8 - سمير السعيدي: الحسين بن منصور الحلاج، دار علاء الدين، سورية، ص 172.
9 - أدونيس: الصوفية والسريالية، دار الساقي، ص 41.
10 - أحمد الحسيني بن عجيبة: الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، دار الفكر، دمشق، ص 161.
11 - انظر، أبو بكر الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، دار الإيمان، بيروت 1986، ص 162.
12 - وذناني بوداود: الشخصية الصوفية في الرواية العربية المعاصرة، مخطوط رسالة دكتوراه، ص 82.
13 - الشيخ ابن عربي: فصوص الحكم، ص 4.
14 - ابن عجيبة: إيقاظ الهمم في شرح الحكم، دار الفكر، ص 83.
15 - المصدر نفسه، ص 111.
16 - ناجي حسين جودة: المعرفة الصوفية، دار الجيل، بيروت 1992، ص 169.
17 - ابن عجيبة: المصدر السابق، ص 46.
18 - أدونيس: المصدر السابق، ص 23.
19 - المصدر نفسه، ص 174.
20 - مصطفى عبد الغني: نجيب محفوظ الثورة والتصوف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص 126.
21 - عبد الكريم الجيلي: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، ج2، ص 20.
22 - انظر، ثناء أنس الوجود: قراءات نقدية في القصة المعاصرة، دار قباء، القاهرة 2000، ص 55.
23 - ابن عجيبة: الفتوحات الإلهية، ص 360.
24 - عبد الكريم القشيري: الرسالة القشيرية في علم التصوف، تح. معروف زريق وعلي أبو الخير، دار أبو الخير، ط2، 1995، ص 53.
الإحالة إلى المقال:

* د. وذناني بوداود: اللغة الصوفية عند جمال الغيطاني، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس 2006. http://annales.univ-mosta.dz

***