علاقة اللغة بالأدب

خديجة بصالح
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

إن العلاقة القائمة بين علم اللغة والأدب علاقة مباشرة، لأن المادة المستخدمة في الأدب هي المفردات والجمل وما بينها من علاقات نحوية، وهذه هي اللغة، على حد ما جاء في قول فاليري: "ليس الأدب، ولا يمكن أن يكون إلا توسعا لبعض خصائص اللغة واستعمالا لها". اعتمادا وانطلاقا من قول فاليري، سنحاول أن نطرح إشكالا يتجلى في طبيعة العلاقة الموجودة، بين علم اللغة والأدب. فهل يمكن للأدب أن يستقل عن اللغة؟ هل يمكن أن يقوم بوظيفته التي تتمثل في تبليغ رسالة ما بعيدا عن حقل اللغة؟ أم يجب أن ينحني للغة لترفعه لكونها مجازية واستعارية وحيوية قابلة للتطور والتأقلم مع الأوضاع.

الكلمات الدالة:

الأدب، علم اللغة، النحو، العلاقة، النص.

***
The relation of language with literature

Abstract:

The relationship that exists between linguistics and literature is a direct one, because the material used in literature is vocabulary and sentences and the grammatical relationships between them, and this is language, according to Valery's saying: "It is not literature, and can only be an expansion of some of the characteristics of language and their use." Depending on Valery's words, we will try to pose a problem that is reflected in the nature of the relationship that exists between linguistics and literature. Is it possible for literature to be independent of language? Can it perform its function of communicating a message away from the language field? Or should language be bent to raise it because it is metaphorical, allegorical, vital, capable of development and adaptation to situations.

Key words:

literature, linguistics, grammar, relationship, text.

***

النص:

يختلف علم اللغة عن علمي النفس والاجتماع من حيث طبيعة الصلة بينهما وبين الأدب. فصلة علم النفس أو علم الاجتماع بالأدب صلة غير مباشرة، أما صلة علم اللغة بالأدب فهي صلة مباشرة، لأن المادة المستخدمة في الأدب هي المفردات والجمل وما بينهما من علاقات نحوية وهذه هي اللغة(1). لذا كان بديهيا أن تتوجه اهتمامات اللغويين - قديما أو حديثا - إلى الأدب.

وقد أشار آرسطو في كتاب "الخطابة" إلى بعض الملاحظات التي تتصل بقواعد ترتيب الجملة، واستخدام المجاز والاستعارة في التأثير على السامع(2). أما لونجايتوس (Longinus) اليوناني - الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد - فقد اهتم بالأمر وأشار في كتابه "عن السمو" إلى المكانة التي تتمتع بها الألفاظ المنتقاة، ونماذج من العبارات المحكمة، وأشكال الكلام التي تجعل المعنى واضحا عند السامع(3).

أما كونتليان (Quintilian) الذي عاش في القرن الأول الميلادي فقد تطرق بوضوح إلى بعض الجوانب اللغوية المؤثرة في الأدب، كالفصاحة، ورشاقة الألفاظ، وملاءمة اللفظ للمعنى. وذهب - إضافة إلى ذلك - إلى القول بأن النصوص الأدبية تتفاضل فيما بينها تبعا لقدرة المبدع على التصرف بمادة النص وهي الألفاظ(4).

تمثل اللغات بالنسبة للإنسان أكثر من كونها مجرد أنظمة لنقل الأفكار، فهي ألبسة غير مرئية تكسو أرواحنا وتسبغ على تعابيرها الرمزية شكلا مهيئا سلفا. وحين يكون التعبير ذا دلالة غير اعتيادية نسميه أدبا.

إن إمكانات التعبير الفردي غير متناهية، لكن اللغة هي أكثر وسائل التعبير، انسيابا. وبالتالي تكون اللغة هي وسيلة الأدب، مثلما أن الرخام أو البرونز أو الطين هي مواد النحاة. وما دامت لكل لغة خصائصها المتميزة فإن التحديات الشكلية الضمنية والإمكانات أيضا، لأدب معين لا تتماثل أبدا مع تحديدات وإمكانات أدب آخر(5).

كل لغة هي في ذاتها فن جمعي في التعبير، وتنطوي على عدد معين من العوامل الجمالية، الصوتية والإيقاعية والرمزية والصرفية. التي لا تشاركها بها تماما أية لغة أخرى. وهذه العوامل إما أن تطلق ممكناتها وتدمجها بممكنات تلك اللغة المطلقة غير المعروفة، أو أن تغزل نسيجا فنيا تقنيا خاصا بها داخل إمكاناتها، وهو الفن الضمني للغة المتوترة والصقيلة. وهذا الفن الأخير - الفن الأدبي - الأكثر تقنية الذي لجأ إليه سوينبرن وكثرة من الشعراء المرهفين هو نمط هش، مبني من مادة أضيفت عليها الروح وليس من الروح(6).

وللغة ملامح تنحصر في خصائصها الصرفية ذات الأهمية القصوى، وهذه الملامح تقيم فرقا كبيرا في تطور الأسلوب فيما إذا كانت اللغة قادرة أو لم تكن قادرة على خلق الكلمات المركبة، فيما إذا كانت بنيتها إعرابية تركيبية (Synthétique) أو بنائية تخيلية (Analytique) فيما إذا كانت الكلمات في جملتها تتمتع بحرية الانتقال من مكان إلى آخر، أم أنها محصورة بالسياق الثابت المحدد.

فسمات الأسلوب الرئيسية، ما دام الأسلوب مسألة تقنية في بناء الكلمات ووضعها، تقدمها اللغة نفسها بصورة لا مهرب منها تماما، كما تقدم الأصوات والنبرات الطبيعية في لغة التأثر السمعي العام في الشعر.

ومبادئ الأسلوب الضرورية تشير إلى طريق التطورات الأسلوبية التي تناسب المنحى الطبيعي للغة. ومن غير المناسب إطلاقا، أن يقارن الأسلوب الرفيع نفسه بالنماذج الأساسية للغة. فهو لا يندمج بها فحسب، بل يبني مادته عليها(7).

ومهما كانت نوعية الأصوات، و النبرات، والأشكال في لغة ما، رغم أن هذه الأشياء تضع يدها على شكل الأدب في تلك اللغة، فإن هناك قانونا دقيقا في التعويض يفسح مجالا للفنان المبدع، فإذا ضاقت دائرته هنا، فهو يستطيع أن يحلّق طائرا هناك. فاللغة إذا، على استعداد لتعيين فردية الفنان وإذا لم يظهر فنان لغوي، فليس ذلك لأن اللغة في الأساس أداة ضعيفة جدا، لأن ثقافة الشعب غير مواتية ظهور مثل هذه الشخصية الباحثة عن التعبير اللفظي الفريد(8).

يتحدث فاليري عن اللغة والأدب والعلاقة القائمة بينهما فيقول: "ليس الأدب، ولا يمكن أن يكون، إلا توسيعا لبعض خصائص اللغة واستعمالا لها". وبهذه الشاكلة يضع فاليري صلة وطيدة بين الأدب الذي يعتبره مجالا للغة، واللغة بدورها هي مادة الأدب. لأن العمل الأدبي هو عمل فني لفظي. هذه الحتمية قد دفعت بالباحثين لفترة طويلة إلى الحديث عن الدور الكبير الذي تؤديه اللغة في العمل الأدبي(9).

وتدلى الدراسات والبحوث أن حقلا أكاديميا هو "الأسلوبية" تم إيجاده على الحدود المشتركة للدراسات الأدبية وعلم اللغة، كما أن أطروحات كثيرة كتبت عن "اللغة" هذا الكاتب أو ذاك. والمقصود باللغة هنا مادة الشاعر أو العمل.

فاللغة تقوم بهذه الوظيفة - حركية التلفظ - في حالات كثيرة خارج الأدب. حتى أن الكثير من الفلاسفة أشاروا إلى أن الإنسان صنع نفسه منذ البدء من خلال اللغة، وإننا لنجد نموذج اللغة في الفعالية الاجتماعية كلها. وعلى حد تعبير بنفنست: "إن صيغة اللغة تحدد الأنظمة السيميائية جميعا" وما دام الفن واحدا من هذه الأنظمة، فإننا على ثقة من العثور على آثار الصيغ المجردة للغة فيه. والأدب، كما نعلم، يتمتع بامتياز فريد بين الفعاليات الإشارية الأخرى(10).

واللغة بالنسبة للأدب هي المبدأ والمعاد، هي نقطة الانطلاقة ونقطة وصوله على السواء. اللغة تضفي على الأدب صيغتها المجردة كما تضفي عليه مادتها المحسوسة. ومن هنا فان الأدب ليس مجرد الحقل الأول الذي يمكن دراسته ابتداء من اللغة، بل انه الحقل الذي يمكن لمعرفته أن تسلط ضوءا جديدا على خواص اللغة نفسها.

إن وحدة العلوم الإنسانية لا تكمن في المناهج التي توسع فيها علم اللغة، والتي اخذ بتطبيقها في حقول أخرى، بقدر ما تكن في الموضوع المشترك لهذه العلوم ألا وهو اللغة.

يمكننا القول أن معرفة الأدب ستتبع مسارا موازيا لمسار الذي تتبعه معرفة اللغة، بل أن هذين المسارين سيختلطان، وسيتكون حقل واسع لم يكتشف منه حتى الآن إلا جزء في الدراسات التي قام بها رومان جاكوبسن وأتباعه. فقد ركزت دراسته على الشعر وحاولت أن تكشف عن وجود بنية يشكلها توزيع عناصر بنيوية معينة في داخل القصيدة.

ويفسح المجال هاهنا لإظهار العلاقة بين الأدب واللغة. وفي الحقيقة أن المحاولة في تناول هذه العلاقة كانت في الدراسات النثرية، حيث حاول الشكلانيون الروس أن يكشفوا عن مثل هذا الشبه. وقد وضعوها بالضبط بين وسائل الأسلوب ووسائل تنظيم السرد، بل أن إحدى مقالات فكتور شكلوفسكي الأولى كانت بعنوان "الصلة بين وسائل التأليف والوسائل الأسلوبية عموما". فلاحظ هذا المؤلف أن: "التأليف المتدرج يحدث في السلسلة نفسها بوصفه ترديدا للأصوات، وحشوا وتوازي حشو وترديدا" ففي دراسات شكلوفسكي عن أنواع السرد (récit) ميز نوعين رئيسيين للتأليف في القصص: هناك من جهة شكل منفتح يمكن أن تضاف إليه في النهاية مغامرات جديدة دائما مثل مغامرات بطل ما مثل: روبان دي بوا وهناك من جهة ثانية شكل مغلق يبدأ وينتهي بالدوافع نفسها، ولكن يتضمن رواية قصص أخرى فيه(11).

فمثلا: رواية الدروب الوعرة "لمولود فرعون" في البداية هناك مأساة تتجلى في تخلي الأب عن ذهبية (البطلة)، وفي النهاية هناك أيضا مأساة تتجسد في موت البطل وتخليه عن البطلة. وبين المأساة وتحقيقها محاولات لتجنبها. وهذان الشكلان يمثلان إبرازا دقيقا لوسيلتين نحويتين أساسيتين يتم فيهما ضم جملتين هما العطف والربط وهذه العملية الأخيرة تسمى في علم اللغة الحديث بـ"التضمين".

ويمكننا أن نستعرض أيضا، بعض الوسائل البلاغية التي تثري السرد كالتوازي، المقالة التدرج، التواتر، التكرار. كما يوجد أيضا وسائل بلاغية موجودة في إحدى الخواص الأساسية للغة وهي غياب علاقة الملازمة بين الصوت والمعنى. وهذا الغياب تنشا عنه ظاهرتان لغويتان معروفتان: الترادف، وتعدد المعاني، والترادف الذي هو أساس التلاعب بالكلمات في الاستعمال اللغوي يأخذ شكل وسيلة أدبية نسميها "التعرف".

أما تعدد المعاني، فمبعث أشكال بلاغية عديدة نقتصر هنا على ذكر واحد منها هو الجناس الذي يمكن أن يكون في الكلمة كما يمكن أن يكون في الحدث فمثلا: يزور طبيب عشيقته في بيتها وأثناء الزيارة يعود الزوج إلى بيته فيتظاهر الطبيب والزوجة اللذان أغلق عليهما غرفة الطفل الصغير أنهما معنيان بالطفل المريض على ما يقولان، فنلاحظ أن حركة السرد هنا تتبع صيغة الجناس نفسها. فحدث واحد: الطبيب والزوجة في غرفة النوم له تأويل معين في الجزء الأول من السرد، وتأويل أخر في الجزء الذي يليه لأن في الجزء الأول لقاء عاشقين، وفي الجزء الثاني الاعتناء بالطفل المريض.

مسايرة لما ذهب إليه الشكلانيون الروس، قد نستنتج مما سبق أن ثمة قرابة بين مظاهر اللغة والمظاهر الأدبية وهذا على مستوى الأشكال والصيغ.

إن تلك المادة - مادة اللغة - في تنوعها، واختلافها وعمقها تبقى لا متناهية(12)، وبالتالي تتفوق اللغة الأدبية على لغة العلم، واللغة الحياتية، المؤسساتية لأنها تتسم دوما بالمجازية والاستعمارية والغموض والتجسيد والحيوية بينما تتسم لغة العلم بكونها رموزا مجردة ميتة، تقدم المعرفة تقييما مباشرا كما أن لغة الأدب تعتمد على التفاعل والإيحاء وهو شيء لا يتفق ولغة العلم الذي يقوم على وضوح المعاني(13).

الهوامش:
1 - د. إبراهيم خليل: في النقد والنقد الألسني، عمان 2002، ص 59.
2 - أرسطو: الخطابة، ترجمة عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة، بغداد 1980، ص 196.
3 - ينظر، ديفيد ديتشس: مناهج النقد الأدبي، تر. محمد يوسف نجم، دار صادر، بيروت 1967، ص 82.
4 - صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، الكويت 1992، ص 256.
5 - د. ابراهيم خليل: في النقد والنقد الألسني، ص 29-30.
6 - سعيد الغانمي: اللغة والخطاب الأدبي، المركز الثقافي العربي 1993، ص 33.
7 - المرجع نفسه، ص 34-35.
8 - المرجع نفسه، ص 39.
9 - تزفتان تودوروف: في اللغة والأدب، ترجمة سعيد الغانمي، ص 41.
10 - المرجع نفسه، ص 42.
11 - المرجع نفسه، ص 45.
12 - د. منصور قيسومة: الرواية العربية "الإشكال والتشكل"، دار سحر، ص 71-72.
13 - د. إبراهيم خليل: في النقد والنقد الألسني، ص 65.
الإحالة إلى المقال:

* خديجة بصالح: علاقة اللغة بالأدب، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس 2006. http://annales.univ-mosta.dz


***