الخطاب الغرائبي عند ألبير كامو

هواري بلقندوز
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

إن ما يذكر عن كتابات كامو وانتمائه لمدرسة الجزائر بوصفه جزائريا، من الحوافز الأولى التي تدفع بنا في هذا المقام إلى الكشف عن خبايا أدبه وفلسفته. ولا شك في أن مواقفه المناهضة للاستعمار الفرنسي من جهة، ووقوفه إلى جانب الجزائريين واندماجه في محيطهم الثقافي والاجتماعي من جهة ثانية، ما ينهض شاهدا على غرائبية صارخة تدعو إلى الانخراط المباشر في حلقة الآخر، وذلك عبر خطاب يكتنفه العبث والتمرد، خطاب يبعث عن الذات من خلال إقصاء الإقصاء، والاعتراف بالأنا في مقابل الاعتراف بالآخر. ومن ثمة كان حضور الآخر في كتابات كامو استراتيجية خطابية هدفها جزأرة العنصر الفرنسي، وتمكينه أرض الجزائر الساحرة.

الكلمات الدالة:

الأنا والآخر، العبث، التمرد، الغرائبية، كامو.

***
Exotic discourse by Albert Camus

Abstract:

What is mentioned about Camus' writings and his affiliation with the Algerian school as an Algerian, are among the first incentives that push us in this regard to reveal the secrets of his literature and philosophy. There is no doubt that his stances against French colonialism on the one hand, and his standing by the Algerians and his integration into their cultural and social surroundings on the other hand, bear witness to a blatant exoticism that calls for direct involvement in the circle of the other, and that is through a speech shrouded in futility and rebellion, a discourse that revives the self through exclusion and recognition of the ego in exchange for recognition of the other. Thus, the presence of the other in Camus' writings was a rhetorical strategy aimed at Algerianizing the French element and allowing it to be the magical land of Algeria.

Key words:

ego and other, absurd, rebellion, exoticism, Camus.

***

النص:

قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن الخطاب الكاموي أدى دورا هاما على نحو خاص في الرجات الاستعمارية المشؤومة التي صاحبت المخاض العسير لنهاية الاستعمار الفرنسي في القرن العشرين. إذ أنه من المحتمل أن يكون تأثير كامو على المخيال والوعي الأخلاقي والسياسي لجيله أعمق بكثير من تأثير أي مؤلف أوربي من زمانه. لقد كان كامو أوربيا بشكل خاص، لأنه كان يمثل العجز المأسوي للوعي الفرنسي أمام أزمة أوربا، وقرب أحد أكبر انكساراتها.

ومن ثمة فإن الملاحظة الشاخصة الواعية، والمتبصرة بجملة المتحكمات الخفية للخطاب الكاموي، تكشف لنا أن كتابة ألبير كامو (Albert Camus) تحركها حساسية استعمارية هادئة ومتأخرة جدا، تعيد الإشارة الإمبراطورية باستخدام جنس الرواية الواقعية، كانت مرحلته الكبرى في أوربا قد مضت مند زمن بعيد. ولعل مركز اهتمام كامو هو الفرد في إطار اجتماعي، وقيمه هي الوعي بالذات، والنضج الواقعي، والصمود الأخلاقي حين يتأزم كل شيء. تجلى ذلك من خلال أشهر أعماله نحو: الغريب، الطاعون، والسقطة.

1 - اغتراب كامو نموذج غرائبي:

لا شك أن ألبير كامو يعتبر شاهدا على عالم يميزه التفكك الدائم والصراع والعنف والإخفاق في التعبير عن قضايا الإنسان ومشكلاته تعبيرا صادقا. وقد بدأ الشعور بالاغتراب والتأزم ينتاب إحساس كامو منذ أن فقد والده في الحرب العالمية الأولى سنة 1914، ثم سرعان ما ازداد حدة مع تأزم مشكلة الإنسان في الحرب العالمية الثانية 1939-1945. وقد أدى انعدام المعايير والقيم الإنسانية في معالجة هذه المشكلة بسبب الاعتبارات السياسية والعسكرية إلى قلق واضطراب تؤطره نزعة من التمرد، تعبر عن اتجاه متميز في الأدب الحديث يدرجه النقاد ضمن "أدب المشكل"، حمل رايته كل من سارتر وكافكا وكامو، أدب قيل في حقه إنه ينشد متعة الحياة في كنف الموت.

وإذا كانت فكرة القلق الوجودي مبدأ مشتركا بين هؤلاء الكتاب في ظروف كهذه، فإنه من اللافت للنظر أن نشير إلى أن تجسيد هذه الفكرة يختلف من واحد إلى آخر، ويكفي شاهدا على ذلك اختلاف مواقف كامو مع نظائره سارتر وكافكا، والتي كثيرا ما أشار إليها كامو نفسه في بعض كتاباته، وخاصة تلك المتعلقة بموقفه المختلف مع سارتر حول التمرد والعبث. ضمن هذا المنظور ينبغي التساؤل عما إذا كان عبث كامو غاية في ذاته، أم وسيلة لتحقيق شيء ما؟

بإمكاننا أن نقارب الإجابة عن سؤال من هذا القبيل، من خلال قراءة استكشافية تأويلية تبتغي تفكيك شفرات الخطاب الكاموي الإيديولوجية انطلاقا من التسليم بفكرة استحالة حياد أي خطاب، مع ضرورة شرح وتوضيح ما لم يفصح عنه كامو إزاء القضية الجزائرية بوصفه فرنسيا مقيما بالجزائر، كتب عن تعلقه بها إبان فترة الاحتلال الفرنسي.

من ههنا كانت رغبتنا مذ-قراءتنا لأعمال كامو- تنكب على محاولة فهم مواقفه إزاء الجزائر والجزائريين، ولاسيما من خلال رواية الغريب التي قدمت لنا صورة مختلفة ومتميزة للمجتمع الجزائري تكاد تكون ألصق بالأدب الغرائبي. وقبل أن نجوس في مسارب هذه الإشكالية، نقدر أنه من الضروري الإشارة إلى مفهوم الغرائبية وعلاقتها بالأدب والفكر.

إن مصطلح غرائبي في المعجم اللاتيني مشتق من الكلمة اليونانية (Exotikos) التي تدل على كل ما ينتمي إلى بلد غريب، أو كل ما هو غريب وغير مألوف بالنسبة للحضارة الغربية(1).

2 - الاستشراق الفني ورهان فهم الآخر:

لا شك أن تأثر الاستشراق بالرومانسية الأدبية والفنية التي كانت تهدف إلى تحليل الذات والفن، والتي ظهرت على أنقاض الكلاسيكية والعقلانية، انعكس في افتنان الأدباء والكتاب الغربيين بالشرق نحو: فكتور هيجو الذي أقر بعميق تأثره بعلوم الشرق ونظرته التذوقية للأشياء، مما دفع بمعظم الأدباء الغربيين والفنانين المبدعين في القرن التاسع عشر إلى اعتبار أنفسهم مستشرقين أي هواة الثقافة الشرقية وخاصة العربية منها، بهدف الاغتراب في الوجود والعرف، والبحث عن مثالية معينة في السكون والعزلة والطبيعة الساحرة والغرائبية.

ومن ثمة كانت الغرائبية تيارا أدبيا وفكريا يعج بعالم تحكمه قوانين متماسكة تجعل من الغريب الموصوف مألوفا، تزول غرابته لحظة إدراكه والانخراط في حلقته جغرافيا وانثروبولوجيا. كان ذلك إثر الحملات الاستكشافية والسياحية التي نظمها نخبة من العلماء والأدباء والفنانين الهواة على الشرق عامة والعالم العربي على وجه الخصوص.

ضمن هذا الإطار، ينبغي أن نعد التأثيرات الشرقية الغرائبية شعارا مركزيا للحملات الاستشراقية الممتدة في الوطن العربي مشرقا ومغربا. ولا جرم أن يكون من أبرز هذه الحملات ذات الطابع الفكري المركب والسياحي، تلك التي واكبت استعمار الجزائر في الفترة الممتدة ما بين 1858-1930. نذكر على سبيل المثال لا الحصر، غرائبية إتيان دينه وإيزابيل إبرهارت اللذين أظهرا ولاء للإسلام، وولعا بالجزائر والجزائريين، ذلك من خلال الفترة التي قضياها بالجنوب الجزائري بين 1888-1930. وعلى الرغم من اعتناقهما الإسلام وتعاطفهما مع الأهالي، فإن ذلك لم يزد عن كونه شعورا إنسانيا مرهفا لا يرقى إلى مستوى التنديد بالاستعمار الفرنسي الجائر، بل كان مجرد شغف رومانسي يسعى إلى اكتشاف سر زرقة سماء الصحراء، وألوان الرمال الذهبية، وحرارة شمس وهاجة ترسم طبيعة غرائبية في ربوع الصحراء الجزائرية، وبوادي الجنوب الوهراني والقسنطيني(2).

3 - الخطاب الغرائبي واللاشعور الاستعماري:

إذا كان التيار الغرائبي في نموذجه الاستشراقي يسعى إلى الانخراط في حلقة الآخر بدعوى الفضول واكتشاف ما هو غريب وغير مألوف، فإنه يراهن على تشكيل صورة ذاتية عن الآخر هي بمثابة غيرية الذات الفاعلة، وهي الذات الغربية. وفي هذا السياق يتشكل مفهوم الغيرية الدال على الاختلاف والغرابة والتعدد بالنسبة للآخر في مقابل الأنا.

و"الغيرية (مصدر صناعي من كلمة غير) بمعنى مطلق الاختلاف، ولا تفيد الضدية بالضرورة، فتقول: القمح غير الشعير، لمجرد المغايرة، كما تقول البياض غير السواد للضدية"(3). غير أن هناك حقيقة مؤداها أن الرومانسية والاستشراق المتلازمين قد ارتبطا بالعامل الإيديولوجي للفلاسفة والكتاب والفنانين الغربيين في القرن التاسع عشر، ولعل ذلك ما أسهم في تحقيق التوسع الإقليمي ذي الطابع الاستعماري منذ سنة 1830، على نحو يؤكد فيه تودوروف (Todorov) على أن الاستشراق المتأثر بالخطاب الاستعماري ليس أثرا بسيطا لحقيقة حضارية ما، بقدر ما هو ركيزة من الركائز، وحلقة من كل(4).

ومن الملاحظ أن العلاقة بين الأدب الغرائبي والأدب الاستعماري لا يمكن إغفالها، حيث يكون الأول قد غذى الثاني وأخصبه. وفي هذا الصدد يشير آلان كالمس (Calmes) إلى أن الأدب الغرائبي يسعى إلى تبرير وجود الإمبراطورية الاستعمارية(5). ومن ثمة لا يمكن لأي خطاب كائنا ما كان، أن يكون حياديا منسلخا عن الإيديولوجية التي تشكل إحدى مقومات محيطه الفكري الذي أنتجه، إذ أن الملفوظ في الخطاب لا يعدو أن يكون وحدة لسانية مفعمة بالإيديولوجية بتعبير ميخائيل باختين(6). وبتعبير آخر يرى تودوروف أن المفهوم يوظف في الخطاب بوصفه سلاحا لإخضاع الآخر من حيث إنه يحوله إلى شيء، في حين أن الفاعل لا يختصر ليبيح مفهوما ولأنه يتملكه بالتحكم واللعب على الفئات اللسانية للخطاب المفعم بالإيديولوجية العنصرية(7). وفي هذا الصدد يشير كذلك إدوارد سعيد إلى أن كل ما يمكن أن يقوله الأوروبي عن الشرق، كان عنصريا وامبرياليا بل مركزيا عرقيا. ثم يخلص إلى أن الاستشراق مذهب سياسي لا يعرف الحياد، همه الأساس هو اغتصاب الشرق(8).

لا شك أن إستراتيجية الكتابة الاستشراقية الغرائبية تقوم على ما ينعت بتجزئة الفضاء جغرافيا وأنثروبولوجيا، والتي نحسبها وعيا مبكرا بفكرة التوسع الاستعماري. وفي هذا السياق يرى دانيال هنري باجو أن هذه الاستراتيجية تقوم على مقومات ثلاث هي: المسرحة والجنسانية والفلكلرة(9).

ضمن هذا الإطار انبرى الأدب الاستشراقي وملازمه الأدب الغرائبي يعكران فضاء العنصر العربي بتقنيات وأيديولوجيات الحضارة الغربية، التي ما فتئت تغزوه وتجزؤه بشكل ثنائي ينصب على جانبين اثنين أحدهما جغرافي إيجابي، والثاني أنثروبولوجي سلبي. ذلك أن العربي أو ابن البلد (Indigène) أو الساكن الأصلي (Autochtone) أو المشرقي كلها مواصفات تحيل على إقصاء العنصر العربي من فضائه الجغرافي والحضاري(10). وقد يكون الأدب الغرائبي المنتج أثناء فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر صالحا لتوثيق أبعاد تأثير هذه الفكرة على الكتاب والفنانين الغربيين، ولا سيما ألبير كامو الذي وظف هذه التجزئة في أشهر كتاباته نحو: الغريب، المنفى والملكوت، الطاعون، وغيرها.

4 - استراتيجية الخطاب الغرائبي عند كامو:

المسكوت عنه في الخطاب: لقد أضحت أشهر روايات كامو تفترض خطابا فرنسيا كثيفا حول الجزائر، ينتمي إلى لغة المواقف والمرجعيات الجغرافية للإمبراطورية الفرنسية. ولعل من جملة ما يمكن أن تنماز به آثار كامو هو ذلك المعطى الفني الذي طالما اكتسى قوة امتصاصه للمعطى الإيديولوجي. فرصانة أسلوبه، والمعضلات الأخلاقية المقلقة التي يفصح عنها، والمصائر المؤلمة لشخصياته، التي يعالجها بكثير من الرقة والسخرية المراقبة، كل هذا إنما يتغذى من تاريخ السيطرة الفرنسية في الجزائر ويعيد إحياءها، بدقة عالية مرهفة، وغياب لافت للنظر، كما لو كان يبعث على الندم والرأفة.

تشير بعض الدراسات إلى أن أدب ألبير كامو ينتمي إلى الأدب اللبرالي لمدرسة الجزائر 1935-1950 والتي خلفت الاتجاه الجزأري. وكانت تعبر عن آراء وأفكار مجموعة من الكتاب الفرنسيين المولودين بالجزائر، من مثل تلك المتعلقة بالطبيعة الجزائرية والحياة الريفية. وكانت تسعى في عمومها إلى جعل الإنسان العربي الجزائري عنصرا ديكوريا. وحسب الدراسة التي أنجزها كل من الطيب بوقرة ومحمد قاسيمي، فإن الخطاب الغرائبي لمدرسة الجزائر يعد امتدادا للرواية الاستعمارية بشكل عام، والتي طالما أطرتها المركزية الاستعمارية والمركزية الاستعمارية المتطرفة في ظروف متفاوتة سياسيا وتاريخيا واجتماعيا(11).

هو فحص آثاره الأدبية من حيث هي عناصر للجغرافيا السياسية للجزائر بنتها فرنسا منهجيا على امتداد أجيال عديدة. وهذا من أجل أن نرى فيها بشكل أفضل انعكاسا حادا للصراع السياسي والنظري الذي كان رهانه هو تمثيل وتوطين وامتلاك هذه الأرض في ذات الحين الذي كان فيه البريطانيون يغادرون الهند.

يبدو أن حقيقة تموضع الخطاب الكاموي (Camusien) في الدراسات النقدية الأدبية العربية ينطوي على إشكال منهجي نوعي يتعلق بطبيعة الدراسة والمنهج المتبع، على نحو ما نصادف الدراسة التي أنجزها كل من محمد زكي العشماوي وعبد الرحمن بدوي، والتي لا تفتأ تحصر الخطاب الكاموي في مقولات الفلسفة الوجودية العبثية نحو الغريب والمحال والتمرد(12)، دون تفكيك لشفراته الإيديولوجية بغية شرح وتوضيح ما لم يفصح عنه كامو، وما كان مكمونا في منشئه الجنيني من مؤشرات وبداية أجوبة لما سماه الطيب بوقرة "بالاعتراف"، أو بالأحرى صمت كامو إزاء القضية الجزائرية(13).

ولعل الدراسة الرائدة في هذا المجال تلك التي أنجزها الطيب بوقرة مستندا فيها على آراء الباحث (Obrien) الذي يرى بأن صمت كامو إزاء القضية الجزائرية كان في الحقيقة تأييدا للاستعمار الفرنسي، إذ يقول: "لقد بقي كامو في أرض الجزائر بروح فرنسية، وما كان يبدو من تحول تدريجي لوضعيته نحو اليمين، كان في الواقع كامنا في صمته العميق"(14).

ما من شك في أن القراءة السيميائية المفككة للشفرات الإيديولوجية من مثل تلك التي جاء بها بوقرة ومن حذا حذوه، تمكن القارئ المتبصر من إماطة اللثام عن مشاعر كامو إزاء الجزائر والجزائريين، ومن ثم تكشف لنا عن خصائص لغة خطاب يميني لرجل يساري. ضمن هذا الإطار يكون من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن تحليل الخطاب الكاموي ينبغي أن يعتمد محورين اثنين هما:
- المحور الأفقي داخل اللغة: والذي يتم فيه التأليف بين الملفوظات اللسانية ذات الطابع الغرائبي ونهج التمرد الحيادي.
- المحور العمودي ويقع خارج اللغة: والذي يعتمد فيه كامو على انتقاء الملفوظات اللسانية السياقية لتحديد المعالم الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية التي تؤطر الإنتاج الكلامي. ولتمثل هذا المحور في تحليل واستكشاف الغياب في الخطاب الكاموي، ينبغي اعتماد بعض مقولات السيميائيات السردية، على نحو يتم بموجبه نقل الملفوظات السردية إلى ملفوظات سردية دنيا إثر اختزال الجمل النموذجية المنتقاة من خطاب كامو. فلنأخذ مثلا الجملة السردية التالية من رواية الغريب: "ولكنني لمحت في الوقت نفسه، في أقصى طرف الشاطئ عربيين يرتديان الثوب الكحلي الأسود، ويتقدمان في اتجاهنا"(15). بإمكاننا أن نحصر هذه الجملة في الملفوظين السرديين الأدنيين على النحو التالي:

- لمحت عربيين
- عربيان يتقدمان في اتجاهنا

- J'ai aperçu deux Arabes
- Deux Arabes venaient dans notre direction

الأولى: جملة أساسية + صلة الموصول حسب التركيب الفرنسي، والثانية: جملة أساسية + جملة الصفة حسب التركيب العربي. ويتحدد الملفوظ السردي ههنا في العلاقة القائمة بين فواعله، إذ أن العربي في الجملة الأولى فاعل، وفي الجملة الثانية مفعول به(16).

5 - دلالة الملفوظ السردي ومرجعيته في الخطاب:

إن الملاحظة الشاخصة الواعية والمتبصرة بالمحتكمات الخفية التي يتمثلها الخطاب الكاموي، تهدي إلى أن كامو قد جنح في كثير من كتاباته إلى توظيف العبارة المرجعية (arabe) بوصفها تيمة مركزية لتعيين العنصر العربي الجزائري. ولعل في هذا الوصف ما يجعل الخطاب مبعدا عن العادات اللغوية اللصيقة بالفئة الأوروبية المقيمة بالجزائر.

هذه التيمة يوظفها كامو في مستوى التجزئة الأنثروبولوجية للعربي الجزائري، من حيث تعمل على إقصائه من فضائه (الجزائر)، وإبداله بتيمة (الجزائري) التي يرى كامو أنها تشمل الأهالي باعتبار المولد، وسكان البلد، على نحو يكون فيه كامو جزائريا باعتبار المولد والإقامة. وهكذا يكون الخطاب الكاموي قد طبق إستراتيجية تجزئة الفضاء التي بلورها الخطاب الغرائبي الاستشراقي، ذلك من خلال توظيفه السلبي للعنصر الأنثروبولوجي ضمن لغة تسعى إلى اختزال مقولة الآخر (العربي) على أساس إقصاء ونفي السكان الأصليين من أبناء الجزائر. ففي الغريب مثلا، صحيح أن مرسو يقتل عربيا، ولكن هذا العربي لا يسمى، ويظهر بدون مرجعية تاريخية، ولا اجتماعية. وكذلك في الطاعون، أكيد أنهم أيضا عرب أولئك الذين يموتون بالطاعون في وهران لكنهم لا يسمون كذلك.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى أن كامو لم يستغن عن توظيف العبارة المرجعية المتعلقة بهويته الأصلية (أوروبي)، ويظهر ذلك جليا من خلال الرسالة التي بعث بها إلى صديق له بألمانيا، على نحو تكون فيه ثنائية أوروبي- عربي في الخطاب الكاموي ذات بعدين دلالين مختلفين: إقرار بالغيرية في مستوى الحضور، وإقصاء للآخر من خلال جزأرة العنصر الأوروبي وتمكينه أرض الجزائر في مستوى الغياب.

بإمكاننا أن نخلص في الأخير إلى أن التمرد في المنظومة الفلسفية الكاموية هو عبارة عن احتجاج ذهني غامض تجاه الثورة الجزائرية، يعكس عكسا تغريبيا قضية الجزائر، والأرض الجزائرية. وذلك ضمن خطاب مشفر يسعى إلى سترجة الخطاب الاستعماري عن طريق إبدال لغة السلاح والعنف بلغة الإقناع ومطارحة مشروع الإدماج، أو بالأحرى فرنسة الجزائر.

وهكذا يمكن إعادة تركيب دلالة الخطاب الكاموي قد يكون من خلال ربطه بظاهرتين تاريخيتين هما: المصادرة على ثبات واستمرارية المغامرة الاستعمارية الفرنسية، والكفاح المستميت ضد استقلال الجزائر. ذلك ما كانت تخفيه أعمال كامو وتنكره، أو تعتبره ضمنيا بديهيا.

الهوامش:
1 - ينظر، المعاجم الفرنسية "لاروس" و"روبرت"، مادة: (Exotique).
2 - ينظر، بلميلود عثمان: صورة الصحراء الجزائرية في المخيال الغربي بين إتيان دينيه وإيزابيل إبرهارت، رسالة ماجستير، جامعة وهران 2000، ص 2-3.
3 - محمد عابد الجابري: الغرب والإسلام الأنا والآخر أو مسألة الغيرية (موقع أنترنت).
4 - Cf. T. Todorov : Préface à l'Orientalisme d'Edward Said, Ed. du Seuil, Paris 1980, p. 9.
5 - Cf. Alain Calmes : Le roman colonial en Algérie avant 1914, Ed. L'Harmattan, Paris 1984, p. 60.
6 - Cf. Mikhail Bakhtine : Esthétique et théorie du roman, tr. D. Olivier, Ed. Gallimard, Paris 1978, p. 78.
7 - Cf. T. Todorov : op. cit., pp. 9-10.
8 - Cf. Edward Said : L'Orientalisme, Ed. du Seuil, Paris 1980, p. 234.
9 - Cf. D.-H. Pageaux : La littérature générale et Comparée, Ed. Armand Colin, Paris, pp. 73-74.
10 - ينظر، بلميلود عثمان: المرجع السابق، ص 6.
11 - Cf. Dagran et M. Kacimi : Arabe vous avez dit Arabe ? Ed. Balland, Paris 1990, p. 15.
12 - ينظر، محمد زكي العشماوي: دراسات في النقد الأدبي المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت 1986، ص 65-86.
13 - Cf. Tayeb Bouguerra : Le dit et le non dit dans l'œuvre de Camus, Ed. O.P.U., Alger 1989, p. 4.
14 - C.-C. O'Brien : Albert Camus analyse de l'Etranger, Ed. Seghers, Paris 1970, p. 114.
15 - ألبير كامو: الغريب، ترجمة عايدة مطرجي إدريس، دار الآداب، ط2، بيروت 1983، ص 50.
16 - Cf. T. Bouguerra : op. cit., pp. 63-64.
الإحالة إلى المقال:

* هواري بلقندوز: الخطاب الغرائبي عند ألبير كامو، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس 2006. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

مقولة الغيرية وغائية الخطاب الصوفي عند ابن الفارض
حوليات التراث، العدد 4، 2005.

***