استراتيجية الترجمة عند أبي العيد دودو

محمد حمودي
جامعة الشلف، الجزائر

الملخص:

نسعى في هذا البحث إلى استعراض مساعي أبي العيد دودو في الترجمة، لا من حيث هي تحول لساني أو ترحال لغوي، أو عملية آلية تعتمد إلى استعاضة كلمة بكلمة أو لغة بلغة أخرى، ولكن من حيث هي ممارسة كتابية ووعي بالاختلاف، والاختلاف مع الآخر. وأبو العيد دودو من الذين استشارهم حس الاختلاف فأدركوا أن الترجمة فعل حضاري ينهض بين الثقافات قبل أن يكون بين اللغات، ومن هذا الإحساس السليم الصائب بأهمية الترجمة ودورها الريادي في مجال العلوم والآداب والفنون، ومن ثم في مجال تحقيق نهضة عربية معاصرة، انصرف المترجم بما يملك من آليات لسانية ومسترفدات ثقافية متنوعة إلى اكتشاف ما حادت بين عقلية الآخر وقريحته.

الكلمات الدالة:

الترجمة، الآخر، أبو العيد دودو، الثقافات، اللغات.

***
Translation strategy by Abou Laid Doudou

Abstract:

In this research we seek to review the endeavors of Abou Laid Doudou in translation, not in terms of a linguistic shift or linguistic travel, or a mechanical process that depends on replacing a word with a word or language in another language, but in terms of it is a scriptural practice and awareness of difference and difference with the other. Abou Laid Doudou was among those consulted with a sense of difference, and they realized that translation is a civilized act that rises between cultures before it is between languages, from this sound sense of the importance of translation and its pioneering role in the field of science, literature and arts, and then in the field of achieving a contemporary Arab renaissance, the translator proceeded, with his linguistic mechanisms and various cultural benefits, to discover what has separated the mentality of the other and his intent.

Key words:

translation, other, Abou Laid Doudou, cultures, languages.

***

النص:

يومئ الاستقراء التاريخي إلى أن الترجمة قديمة قدم الإنسانية على وجه البسيطة، فقد كانت وما زالت من أهم وسائل الاتصال والإبلاغية والتفاهم والتفاعل والمثاقفة بين الشعوب، عملت وتعمل على تحقيق الوساطة اللغوية من شعب إلى شعب، باعتبارها "الطريق التي تسلكها اللغة الأجنبية إلى المجتمع، والتي يسلكها المجتمع إلى هذه اللغة"(1). ومما يبين الدور الخطير الذي تلعبه الترجمة في التواصل والتواشج الحضاري عناية الأمم القديمة بها، كونها تشكل "حجر الزاوية في كل نهضة ثقافية"(2) من خلال نقل المعارف والعلوم والثقافات العالمية للإنسانية جمعاء، إذ ليس بإمكان الأفراد والجماعات أو الثقافات على تنوعها، أن تبلغ مكانتها الحقيقية وتحقق هويتها إلا عن طريق نسج علائق متطورة مع الآخر. ومن ههنا تصبح كما يقول (فريدريك شيلر ماخير): الترجمة ضرورة جوانية(3)، وتتجلى ضرورتها كما يرى (مارتن هيدغر) في أننا نمثل عن طريقها أمام فكر الآخر ولغته.

ولما كانت الترجمة ضرورية، فقد زادت حاجتنا الماسة إليها، ذلك لأنها "دعوة إنسانية تلح على المعرفة والتفاهم، وتؤكد على التوافق والتضامن وتحث على تقارب الآراء والمشاعر بين جميع شعوب العالم"(4)، وعلى هذا الأساس اعتبرت من أهم العوامل الأساسية في تحويل الأفكار ونقل المشاعر والاحتكاك بالتيارات والمذاهب الأدبية والفنية والنظريات العلمية سواء داخل الرقعة الوطنية الواحدة أو تتعداها إلى ما وراء الحدود، من حيث أنها "ليست تبليغا مجردا بسيطا ولكنها في أبعادها الواسعة تأثر وتأثير واندماج في تيارات فكرية وذوقية عميقة"(5). ولعل إحساس البشرية من أدباء ونقاد ودارسين بأهمية الترجمة ودورها الفعال في خلق حوار بين الأمم والحضارات، دفع بها إلى توسيع مجالها وتطويرها. ومما زاد في انتشارها مدارس الأدب المقارن المتمثلة في المدرسة الأمريكية والفرنسية والسلافية والعربية التي أولت عناية بحركة الترجمة، واتفقت فيما بينها على قيمة الترجمة في الأدب العالمي، وكان من نتائج ذلك أن "شهد القرن العشرون تحولا كبيرا في أسس الترجمة بسبب التطورات الكبيرة في علوم الاتصالات ودلالات الألفاظ وعلم النفس، وغيرها من العلوم"(6).

إن الحديث عن أهمية الترجمة حضاريا يجرنا إلى التنويه بإسهاماتها الفعالة في حماية زخم كبير من التراث الإنساني من الضياع، ونشير بالذكر ههنا إلى دور العرب والمستشرقين في هذا المجال. بحيث ساهمت في الكشف عن إنتاج أدبي مغمور سبق زمانه ولم ينزل المنزلة اللائقة به كما هو الحال مع شكسبير الذي اكتشفه الفرنسيون وبترجمة أعماله أخرجوه للعالم... وأنطوان جالان الذي أطلع أوروبا على ألف ليلة وليلة ما بين (1704م-1717م). وأسهمت هذه الترجمة في إرساء دعائم الرومانسية وإخراج جيل من العباقرة في الأدب(7) فهي بهذا "فعل حضاري يتوق عبر مقاومات شتى للغة والخصوصيات الحضارية إلى استحضار الذات الأخرى في أناة الشخصية، ولا يمكن تحقيق ذلك الحلول بالمعنى الصوفي دون تسجيل خسائر، إنها خسائر قد تعظم وتجسم بقدر ما تسلكها الترجمة طرقا ملتوية متعرجة عبر مواشير لغوية متعددة"(8)، وقد أنبأنا التاريخ بأن الأمم التي اهتمت أو المهتمة بالترجمة هي دوما في الطليعة، ذلك لأنها أدركت أن الفعل الترجمي، على حد قول اللغويين: (شر لا بد منه)(9).

والترجمة من حيث هي تحول في التحول، تؤسس الاختلاف، انطلاقا من خطاب الأنا، ويتحقق فعل الاختلاف من عملية العبور والاختراق، دون مسخ الهوية وتعويم الكينونة. والترجمة من خلال هذا الترحل لا تعني الانفقاد كما لا تعني الخيانة، إنها إعادة الكتابة، فهي لا تكف أصلا عن الاشتغال داخل الكتابة، كتابة التاريخ أي ممارسة اكتشاف الأنا عبر تحقيب زمني معين، باستحضار المعيوش التاريخي الحواديثي من لسان مختلف، باستنطاق القصيدة الأصل، بالاشتغال على المرور إلى فلسفة وفكر الغير، بتحديد جينيالوجيا مفاهيمه وأسس بنيته العقلية والميتافيزيقية ومرجعياته الفكرية والفلسفية، مثاقفته حميميا عبر اللغة، ومجابهته والاحتراز منه عبر الفعل والممارسة.

وتأتي تجربة أبي العيد دودو، في هذا المضمار، لتحتضن التميز والمغايرة، مغايرة تأخذ طابع التعدد والمتعة، بمساءلة النصوص واستنطاق الخطابات على تباينها (شعر، نثر، فلسفة، فكر، تاريخ...). ولعل استقصاء هذه التجربة يضعنا في مأزق الإجابة عن أسئلة أنطولوجية تنطرح كلما حاولنا مقاربة ترجماته كفعل إبداعي وممارسة كتابية محفوفة بالمخاطر لسانيا وفنيا، ومكمن الخطورة تشي به مهمة المترجم، ذلك إن نقل أفكار الآخرين أعسر من التعبير عن فكرة جديدة(10). فكيف يترجم؟ ولماذا يترجم؟ ولمن يترجم؟

يشير أبو العيد دودو فضلا عن امتلاكه مفاتيح الترجمة باتكائه على مسترفدات لسانية وثقافية متباينة ساهمت في تكوينه مبدعا مترجما، إلى أن مشروعه الترجماتي باعتباره إنتاجا فكريا يداني التأليف ويقارب الإبداع(11) وليد الموهبة وإرادة التعلم، مؤكدا أن امتلاك لغة ما لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة الترجمة(12)، فالعمل المترجم قبل أن يكون تحولا لسانيا هو محصلة ثقافية جامعة التقى فيها إبداع المؤلف ومفهوم المترجم في ضوء خبرته باللغتين: الأصلية والمستهدفة، وفي إطار ثقافته(13).

إن من شروط الترجمة أن يكون المترجم متقنا اللغة المترجم إليها، صرفها ونحوها وإملاءها، ملما ببلاغتها وحسن بيانها، كما ينبغي له أن يتقن اللغات التي يترجم عنها وإليها اتقانا كاملا "ومقبولا، فلا يغيب عنه معنى من المعاني أو لفظ من الألفاظ، أو قاعدة من القواعد، كيما لا يكون عمله أدنى إلى الأمانة وأقرب إلى السلامة"(14). ونشير بالذكر، إلى أن هذه الشروط تتوفر جميعها لدى أبي العيد، وقد دعمها مساره الأكاديمي، الغربي خاصة منه، دارسا ومدرسا. وينضاف إلى هذا التكوين جملة من الحوافز، أبرزها تشجيع أستاذه علي جواد الطاهر له وفي هذا يقول: "وللتاريخ أسجل أن أستاذي المرحوم الدكتور علي جواد الطاهر هو الذي شجعني على الترجمة، ونشر لي في مجلة (المعلم الجديد) بعض المترجمات من أشعار بودلير ومالارميه، وكلفني بترجمة دراسة نفسية عن بودلير، كتبها بول بورجي..."(15). وإلى جانب هذا التحفيز، هناك دوافع ذاتية دفعت بأبي العيد إلى اقتحام حقل الترجمة وقد لخصها بقوله: "أحببت الترجمة، وكان ذلك عندما لاحظت في بداية الأمر أننا في المغرب العربي عالة على المشرق العربي، فيما يتصل بالترجمة، على حين أنه كان من المفروض أن يكون العكس، بالنسبة إلى الترجمة عن الفرنسية على الأقل، فأحببت أن تكون لي مساهمة في هذا المجال"(16).

لا مندوحة لأي مترجم، وهو يقدم على تعرية تراث التراكمات الحضارية على تنوع مشاربها، والتراث قدرنا، كما يقول مارتن هايدغر، عن لغة وسيطة، وهي عند أبي العيد - كما يورد في حديث له - اللغة الفرنسية(17)، بل وتكاد ترجماته تنطلق من اللغة الفرنسية لينتقل بعدها إلى الألمانية، بادئا بترجمة القصص ثم الشعر، فالمقالة النقدية والمسرحية والرواية، يقول في هذا الصدد: "واصلت الترجمة عن الفرنسية في السنة الأولى من ذهابي إلى النمسا للدراسة وبعد فترة من الزمن أخذت أترجم عن اللغتين معا أو عن الألمانية وحدها، وأراسل مجلة الفكر التونسية ومجلات أخرى"(18).

وبعد، هل ترجم دودو ليقول - كما يورد بختي بن عودة - كفاءاته اللسانية أو المعجمية أو الأسلوبية، أم ليبوح بحقه في الاختلاف من حيث هو نقلة كونية لا تفرض على الغير نمط وجود، ولا نمط تمثل العالم؟(19)، إن الغاية التي سعى إليها من توسل الترجمة إنما تتمثل في الاقتراب المتجدد من الأشكال المعرفية الأجنبية ومحاكاتها ثم تخطيها إبداعيا وإنتاجية لأننا - في اعتقاده - "لن نتمكن من فهم الأنواع الأدبية الغربية، والإبداع فيها، وربما تجاوزها بشكل من الأشكال إلا إذا نحن أكثرنا من ترجمة القديم والجديد منها كما فعل بعض رواد نهضتنا الحديثة في المشرق"(20).

وإذن، فالوعي بأهمية الترجمة من حيث هي وسيلة من وسائل التفاهم البشري، وقناة من قنوات المثاقفة، ومسألة حضارية ملحة، وبدورها الريادي في مجال العلوم والآداب والفنون، ومن ثم في تحقيق نهضة عربية معاصرة، جعل المترجم ينصرف إلى التعرف على ما جادت به قريحة الآخر وعقلياته. فعكف منذ انتقاله إلى الدراسة بجامعة فيينا النمساوية، ثم التدريس بها وبجامعة كييل الألمانية، على الترجمة، وكانت أولى محاولاته الترجمية، القصص القصيرة والشعر والمسرحيات، وهذا ما يبينه قوله في عدة مناسبات: "ركزت أولا على القصة القصيرة، ثم انتقلت إلى ترجمة الشعر نثرا - بطبيعة الحال - والمقالة النقدية والمسرحية والرواية، وإن لم أتمكن من نشر بعضها"(21).

ومع أن المترجم لم يكن التأريخ اختصاصه - كما أكد ذلك بقوله: "كما أنني لست مؤرخا...، وبالرغم من هذا فإني أعتقد أنه من واجب كل من يتقن لغة أجنبية أن يشارك في إعادة كتابة تاريخ بلاده بغض النظر عن ميدان اختصاصه"(22) - إلا أن حماسته الوطنية وجزائريته الأصيلة وإسلامه وعروبته الغائرتين في أعماقه، جعلته يهتم بتسجيل الثورات والمعارك التي خاضتها الأمة الجزائرية. وكان وراء حرصه على ذلك أهداف سامية يرمي إليها، متجذرة في وعيه الروحي، وتتجلى في قوله: "والظروف الراهنة التي نحاول فيها إعادة بناء شخصيتنا الوطنية تفرض علينا أن نهتم بمعرفة تاريخ الثورات والبطولات التي عرفتها أرضنا المجيدة، فمن المؤكد أن هذه المعرفة تساعدنا على الاعتزاز بماضينا، والحفاظ على خصائصنا المتوارثة"(23). وإن كانت هذه بعض المرامي التي ما برح دودو يدأب على تحقيقها فإن غايته في واقع الأمر أبعد من ذلك، وتتضح في قوله: "ولا أخفي أنه كان لي هدف آخر أيضا، وهو أن أفتح نافذة أخرى غير النافذة التي نطل منها إلى الخارج عبر اللغة الفرنسية، فلكم كان يحز في نفسي أن أرى جزائريا يكتب تاريخ الجزائر، وهو لا يحسن غير الفرنسية أو آخر لا يحسن غير العربية، فيعد كلاهما تابعا للمؤرخين الفرنسيين، بواسطة أو بدون واسطة، مع ما عرف به بعضهم من دس وتزييف لتاريخنا العربي والإسلامي في الجزائر"(24). وتشكل الوثائق التاريخية التي ترجمها أبو العيد مصادر هامة "تفيد المؤرخين والجغرافيين وعلماء النفس والاجتماع والطبيعة والسلالات والأجناس وغيرهم... بل إنها لتفيد حتى المبدعين لما تضمنته من قصص وحكايات وأساطير، وأغاني وأشعار شعبية، الكثير منها لم يعد اليوم معروفا في مختلف المناطق التي كان منتشرا بها..."(25)، فهذه الترجمات - ولا شك - أسهمت وتساهم في الكشف عن حلقات مفقودة في تاريخ الجزائر وثورتها الحديثة، ذلك أن أصحابها "تحدثوا فيها عن تجاربهم الشخصية في الجزائر وعلاقاتهم بأهلها وعبروا عن موقفهم من قضاياها الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية والخلقية، كما تطرقوا إلى وصف العادات والتقاليد وأساليب الحياة في المدن والقرى والأرياف"(26).

والواقع، أن هذه الكتابات المدونة "بلغات أجنبية مختلفة، زيادة على احتوائها على تجارب خاصة بكل مؤلف من مؤلفيها، يشكل بعضها قسما من التراث الوطني لا تزال أصوله العربية مجهولة غير معروفة لنا"(27)، وهذا لا يعني أننا نتبنى هذه المعارف والتجارب بجميع ما فيها لأن غاية أصحابها كانت في أغلب الأحيان الدس والتدليس والتشويه، وإنما نتناولها بالدرس والإحاطة والتمحيص. وحتى نموضع استراتيجية الترجمة عند أبي العيد على تباين نصوصها وتشعب مداراتها، آثرنا أن نموقع كل نوع ترجماتي - على حدة - حقق به المترجم خطوط التلاقي الثقافي، ووصل به إلى تشييد تفاعلية لا يستهان بها على الساحة المعرفية الكبرى. ويمكن تنميط هذه الأنواع إلى ترجمات تاريخية، وترجمات أدبية (روايات، مسرحيات، ترجمات شعرية ونقدية)، وترجمات فكرية وفلسفية.

الترجمات التاريخية: يندرج هذا النوع من الترجمة تحت الترجمة الثقافية والعلمية التي تعنى بنقل الآثار والمؤلفات الفكرية والعلمية والأدبية والفنية من لغة إلى أخرى، ويعتبر "هذا اللون من الترجمة عظيم الأهمية والأثر، لأنه طريق التبادل الثقافي بين الأمم والشعوب والسبيل إلى الرقي العلمي وإغناء المعرفة"(28). وأما على وجه التحديد والتدقيق فإن هذه المترجمات تؤول إلى الترجمة العلمية التي تتميز "بالدقة والوضوح في المعنى مع صحة المصطلح وسلامة اللغة"(29). وههنا يستوجب على المترجم أن يحسن تخير العبارة وإجادة العرض. ومن بين المترجمات التاريخية التي توجت بها إبداعات أبي العيد دودو هي:

1 - مذكرات بفايفر (لسيمون فريدريك بفايفر): وقد صدرت في طبعتها الأولى سنة (1975م)، وكان دودو قد ترجم هذا المؤلف لأول مرة إلى العربية سنة (1968م)، ونشره في مجلة (الجيش) في أعداد متوالية تحت عنوان: "أضواء على تاريخ احتلال الجزائر"، مركزا فيه على الجانب السياسي والتاريخي، ثم عني فيه بعد ذلك بالجانب الإنساني، وعلى إثرها ترجم فصولا أخرى، الفصول الخمسة الأولى، والفصل الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر، بالإضافة إلى عدد من الفقرات كان قد أهملها أو تُنسيت في الترجمة الأولى(30).

ومما تجدر الإشارة إليه أن المترجم أضاف إلى العنوان الأول في الترجمة عنوانا أصليا هو: "مذكرات جزائرية عشية الاحتلال"، ينقل إلينا فيه ملاحظاته ومشاهداته في الجزائر. وتبرز أهمية مذكرات بفايفر بدءا من الفصل السادس، حيث يتحدث عن العلاقات الجزائرية الفرنسية في الفترة التي سبقت دخول الفرنسيين إلى الجزائر، وفي الفصل الذي يليه يصف معركة الأسطولين الجزائري والفرنسي بصورة مفصلة، مشيرا إلى مشاركة الشعب فيها، وموقف بعض الأفراد من الداي، ومن نتائج تلك المعركة، وينوه المترجم بان هذه الأحداث لم يأت على ذكرها أي مصدر آخر(31).

ويتعرض بفايفر، أيضا، في مؤلفه إلى الأحداث التي وقعت في شرق الجزائر، مبينا في الوقت نفسه علاقة الجزائر بالسلطة العثمانية وعلاقتها بالحكومة المصرية، كما يتحدث عن استعدادات الجزائر للحرب بعد نزول الجيش الفرنسي إلى البر، حيث أسرعت الجيوش الجزائرية إلى مقاومة الغزو الأجنبي، مقدما في الوقت نفسه صورة مؤثرة عن المآسي التي خلفتها هذه الحرب. ولا ينسى المؤلف الحديث عن موقف اليهود من قضية الاحتلال، والجرائم التي ارتكبوها.

وجماع القول، إن الأحداث والوقائع التي نقلها بفايفر كثيرة ومتنوعة، عاش بعضها بنفسه وشاهدها وسمع بعضها الآخر من غيره.

2 - ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا (هاينريش فون مالتسان): وهو في أربعة أجزاء، خص الجزائر بثلاثة أجزاء، ويصف في الرابع بعض المدن المغربية التي زارها والحياة فيها(32). ظهر الجزء الأول منه سنة (1976م)، وتحدث فيه المؤلف عن مدينة الجزائر وما حولها. أما الجزء الثاني فنشره سنة (1979م)، وصور فيه بعض المدن الجزائرية التي أقام فيها حينا أو أحيانا، مثل مدينة تبسة. أما الجزء الثالث فتم نشره سنة (1980م)، وسجل فيه مالتسان رحلته إلى شرق البلاد وجنوبها، حيث من قسنطينة ينطلق نحو الصحراء، فيزور مدينة الأغواط والجلفة وعين ماضي.

وما يلفت نظر المتلقي في الجزء الثالث، استعراضه للكثير من الطقوس والشعائر التي كانت سائدة في مدينة قسنطينة آنذاك، كتصويره لطائفة عيساوة، مبينا مركزها الاجتماعي، وذلك من خلال حوار ممتع أجراه مع أحد أتباعها، وكان يريد من ورائه أن يتوصل إلى معرفة أسرار تلك الطائفة، التي يدعي أفرادها القدرة على أكل النار واللعب بالحيوانات السامة، دون أن يصيبهم منها أذى(33). كما يرصد مالتسان الكثير من العادات والتقاليد المتبعة في قسنطينة خلال شهر رمضان المعظم الذي قضاه فيها عام (1862م)، فيصف مظاهره المختلفة، ويذكر حتى مختلف الأطعمة، التي تقدم فيه لأن التعرف عليها في اعتقاده يدخل في إطار معرفة عادات الشعب وأعرافه وتقاليده. وإلى جانب ذلك يصور فرحة الأطفال بالعيد، مقارنا بينهم وبين الأطفال الفرنسيين، ويفضلهم على هؤلاء بناء على صفات معينة يتحلون بها(34). ويضم هذا الجزء - إضافة إلى ما سبق ذكره - عدة معلومات، ولا سيما ما يتعلق بالشخصية الجزائرية، مقوماتها، محامدها ومثالبها، وحسب المترجم، فان مالتسان بنى هذه الأحكام على التجربة والملاحظة الدقيقة(35).

3 - قسنطينة أيام أحمد باي (فندلين شلوصر): وقد نشره بين سنتي 1976-1977، وأصل الكتاب كما وضعه شلوصر، في عنوان مفرط الطول هو: "رحلات في البرازيل والجزائر، أو مصائر فندلين شلوصر البومباجي السابق لأحمد باي قسنطينة"، وقد قسمه إلى جزأين: الجزء الأول خاص برحلته إلى البرازيل وحياته فيها. أما الجزء الثاني، والذي ترجمه أبو العيد، فقد خصصه للحديث عن الجزائر، وعنوانه: "الجزائر (1831م-1837م)"، إلا أن المترجم عمد إلى تغيير العنوان حتى يكون - في منظوره - أكثر دلالة وموضوعه أكثر تحديدا ووضوحا(36). وفي هذا المترجَم، حديث عن عدة شخصيات جزائرية تاريخية، مثل: ابن زعمون، وعلي بن عيسى، وأحمد باي، وأحمد بومرزاق، وغيرهم... وتسليط للضوء على الكثير من أوضاع مدينة قسنطينة، وبالضبط أثناء الحملة الأولى والثانية التي تم احتلالها فيها، مركزا في الوقت ذاته على موقف الأهالي من العدو الأجنبي. ثم هناك وصف دقيق ورائع لحياة أهل المدينة والريف الشعبية بأفراحها وأقراحها.

والحق، أن هذه المترجمات تعد بمثابة وثائق مهمة، لأنها تتحدث عن فترة من فترات تاريخنا في القرن الماضي، وتقدم معلومات قيمة عن مدينة الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي (وذلك ما فعلته مذكرات بفايفر)، وعن مدينة قسنطينة قبل أن يتم احتلالها. وتبرز بصورة خاصة الصراع الذي عرفته منطقة الشرق الجزائري بكاملها في تلك الفترة، وعن ظروف الاحتلال وملابساته العديدة، ودور المواطنين في مقاومة المعتدي.

4 - الأمير عبد القادر (يوهان كارل بيرنت): في هذا المترجَم تفصيل لكثير من الأحداث في الحقبة التي عاشها المؤلف في الجزائر (1837م-839م). ويشير المترجم ههنا، إلى أن المعلومات التي جمعها كارل بيرنت من النادر أن نعثر عليها عند مؤلفين آخرين(37). يقدم كارل بيرنت منذ البداية توصيفا لمدينة المدية التي دخلها أسيرا، وغادرها بعد خمسة أشهر، لينتقل إلى مدينة مليانة، ثم سرعان ما تركها وتوجه إلى مدينة معسكر، حيث يلتقي بالأمير عبد القادر، ولعل لقاءه به هو ما ساعده على وصفه في مكتوبه وصفا حيا. وزيادة على هذا، يتطرق إلى وضعه السياسي ودهائه وشجاعته وعن شخصيته بشكل عام، ثم ثقافته وتمكنه من اللغة العربية وآدابها وقراءاته لدواوين الشعر العربي، وعن حبه العفيف وعن أسرته وقلة رؤيته لها، وعن أسلوب حياته وطريقة معيشته البسيطة في المأكل واللباس على حد سواء. هذه الصفات كلها هي التي جعلت منه في نظره أميرا عظيما. أما عن الجانب العسكري والحربي، فإنه يقدم وصفا مفصلا عن معارك الأمير مع الفرنسيين، وكذا أوضاع البلاد بعد توقيع معاهدة التافنة(38). والمؤلَف - حسب المترجم - رغم أنه تسجيل لوقائع تاريخية إلا أنه ذو طابع مذكراتي، يقترب من السيرة الذاتية أو الرواية. سواء من حيث عرض الأحداث وسردها، أو طريقة الأسلوب، أو حتى تناول الشخصيات(39).

لعل هذا غيض من فيض، إذ لا يسعنا المقام لأن نستعرض موقف الأوروبيين من مؤرخين ورحالة ومفكرين من الاحتلال الفرنسي للجزائر، ومن تقديمهم صورة عنها وعن أبطالها وتقاليدها وعاداتها من منظور أوروبي، بل يحتاج هذا إلى دراسة مستقلة تفي بكل ما جادت به هذه المؤلفات، والتي من شأنها أن تعيننا على إعادة قراءة وكتابة تاريخنا المجيد بعد الدراسة والغربلة.

الهوامش:
1 - مصطفى ماهر: ألوان من الأدب الألماني، دار صادر، بيروت 1974، ص 401.
2 - شحاذة الخوري: دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب، ط1، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، بيروت 1989.
3 - ينظر، عبد النبي ذاكر: مقارنة بين ترجمتين عربيتين، مجلة العرب والفكر العالمي، عدد 7، مركز الإنماء القومي، بيروت 1989، ص 112.
4 - عباس الجراري: التواصل بالترجمة وصعوبة نقل النصوص الأدبية، مجلة المناهل، عدد 14، 1979، ص 78.
5 - المرجع نفسه، ص 68.
6 - نسيم عيلان: إشكالية ترجمة النص الأدبي، مجلة التواصـل، عدد 4، جامعة عنابة 1999، ص 65.
7 - المرجع نفسه، ص 68.
8 - ابن عبد الله الأخضر: الترجمة كخيانة عظمى، مجلة ترجمان، عدد 1، 1997، ص 15.
9 - ينظر، نسيم عيلان: إشكالية ترجمة النص الأدبي، ص 68.
10 - محمد عناني: فن الترجمة، الشركة المصرية العالمية، لونجمان، مصر 1996، ص 4.
11 - شحاذة الخوري: دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب، ص 65.
12 - لقاء مع الأديب الراحل أبو العيد دودو، أجريته معه في بيته بضواحي ابن عكنون صباح يوم 3 أبريل 2001.
13 - حفناوي بعلي: فضاء المقارنة الجديدة، دار الغرب، وهران 2004، ص 109.
14 - دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب، ص 111.
15 - مجلة عمان، عدد 69، مارس2001، ص 54.
16 - نفسه.
17 - من الحوار الذي أجريته مع الأديب الراحل.
18 - مجلة عمان، ص 54.
19 - محمد شوقي الزين: الترجمة والاختلاف (آثار بختي بن عودة)، مجلة كتابات معاصرة، مجلد 9، عدد 34، 1998، ص 9.
20 - مجلة عمان، ص 54.
21 - نفسه.
22 - أبو العيد دودو: الجزائر في مؤلفات الرحالين الألمان، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1989، ص 6.
23 - المرجع نفسه، ص 5.
24 - مجلة عمان، ص 54.
25 - نفسه.
26 - أبو العيد دودو: الجزائر في مؤلفات الرحالين الألمان، ص 6.
27 - نفسه.
28 - شحاذة الخوري: دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب، ص 56.
29 - المرجع نفسه، ص 57.
30 - سيمون فريدريك بفايفر: مذكرات عشية الاحتلال، ط2، تر. أبو العيد دودو، دار هومة، الجزائر 1980، ص 10.
31 - المرجع نفسه، ص 13 وما بعدها.
32 - أبو العيد دودو: دراسات أدبية مقارنة، ط1، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1990، ص 6.
33 - هاينريش فون مالتسان: ثلاث سنوات في شمال غربي أفريقيا، تر. أبو العيد دودو، الشركة الوطنية، الجزائر 1980، ج3، ص 49 وما بعدها.
34 - المرجع نفسه، ص 92.
35 - المرجع نفسه، ص 10.
36 - ينظر، فندلين شلوصر: قسنطينة أيام أحمد باي، تر. أبو العيد دودو، الشركة الوطنية، الجزائر 1977، (المقدمة).
37 - ينظر، يوهان كارل بيرنت: الأمير عبد القادر، تر. أبو العيد دودو، دار هومة، الجزائر 1977، ص 10 وما بعدها.
38 - المرجع نفسه، ص 13.
39 - المرجع نفسه، ص 23.
الإحالة إلى المقال:

* محمد حمودي: استراتيجية الترجمة عند أبي العيد دودو، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس 2006. http://annales.univ-mosta.dz

***