اللهجة التواتية وعلاقتها باللغة العربية الفصحى

أحمد جعفري
جامعة أدرار، الجزائر

الملخص:

تشكل منطقة التوات (ولاية أدرار حاليا) نقطة التقاء وتجمع أساسية لعدد من القبائل والأجناس البشرية من عرب وزناته وطوارق وغير ذلك، تتمايز هذه التجمعات والقبائل فيما بينها بلهجاتها المحلية المختلفة لسان حالها الداخلي، بالإضافة إلى تمايز عاداتها وتقاليدها وغير ذلك. غير أن ما يجمع هذه الخلايا التجمعية الكبرى أكثر بكثير مما يفرقها. فبغض النظر عن عناصر الهوية الثابتة من وطن ودين وتاريخ، تأتي اللغة العربية الوطنية والرسمية للجميع لتكون لسانا موحدا ورافدا أساسيا للتأثير والتأثر. ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتبحث في جذور بعض من هذه اللهجات في محاولة للوقوف على أصولها وخصائصها ومن ثمة الوصول إلى طبيعة العلاقة بين هذه اللهجات جميعا، وبين لغتنا العربية الوطنية والرسمية.

الكلمات الدالة:

اللهجة المحلية، توات، العربية الفصحى، أدرار، اللغة الرسمية.

***
Touati dialect and its relations with classical Arabic

Abstract:

The Touat region (now the Wilaya of Adrar) constitutes an essential meeting and gathering point for a number of tribes and human races, including Arabs, Zenetes, Tuareg, and so on. However, what unites these macrocytes is much more than what divides them. Regardless of the fixed identity elements of a homeland, religion and history, the national and official Arabic language for all comes to be a unified tongue and an essential tributary to influence. Hence, this study comes to examine the roots of some of these dialects in an attempt to find out their origins and characteristics, and from there we arrive at the nature of the relationship between all these dialects, and between our national and official Arabic language.

Key words:

local dialect, Touat, classical Arabic, Adrar, official language.

***

النص:

إن الحديث عن موضوع اللهجة التواتية وعلاقتها باللغة العربية الفصحى أولا يقتضي منا الوقوف عند المصطلحين (لهجة، وتوات). وإذا كانت اللهجة قد أخذت حدودها الاصطلاحية من تعريفها اللغوي الذي ينطلق أساسا من (اللسان)، فإن الحديث عن منطقة توات التاريخية (ولاية أدرار حديثا) لم يقف به المؤرخون عند حد فاصل في أصل التسمية (توات)، وتاريخ اختطاطها، بل وحتى في رسم حدودها، فهناك من اعتبر أن "السبب في تسمية هذا الإقليم بتوات على ما يحكى أنه لما استفتح عقبة(1) بن نافع الفهري بلاد المغرب، ووصل ساحله، ثم عاد لواد نون ودرعة وسجلماسة(2)، وصل خيله توات، ودخل بتاريخ (62هـ)، فسألهم عن هذه البلاد يعنى توات، وعن ما يسمع ويفشى عنها من الضعف، هل تواتي لنفي المجرمين من عصاة المغرب، ينزله بها أو يجليه بها، فأجابوه بأنها تواتي، فأنطلق اللسان بذلك أنها تواتي، فتغير اللفظ على لسان العامة لضرب من التخفيف"(3).

وهذا الرأي انفرد به العالم محمد بن عومر (ق 13هـ)، في حين نراه يورد إلى هذا رأيا آخر أكثر تداولا، وهو الرأي الذي أسهب في تفسيره وشرحه الشيخ سيد البكري (ق 14هـ) حيث يقول: "في سنة 518 هجرية حيث غلب المهدي(4) الشيعي سلطان الموحدين على المغرب. بعث قائدَيه علي بن الطيب والطاهر بن عبد المؤمن لأهل الصحراء وأمرهما بقبض الأتوات، فعرف أهل هذا القطر بأهل الأتوات، لأن السلطان قبله منه في المغرم"(5).

ونرى البكري يعلق على هذه الرواية ويقول: "وهذه الرواية أصح ولهذا اللفظ مسند في العربية. قال في المصباح(6): "التوت هو الفاكهة والجمع أتوات"، فعرف أهل هذه البلاد بأهل الأتوات، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه... فصار توات بعد حذف التعريف والمضاف... وصار هذا الاسم على هذا القطر الصحراوي من تبلكوزة إلى عين صالح"(7).

وهذا التفسير اعتمده كثير من المؤرخين(8) واعتبر الرأي الأرجح في المسألة على ما يذكر الرواة. في حين راح البعض(9) الآخر ينحى بالكلمة نحوا بعيدا عن كل هذا وذاك تبعا لمدلولها. وفي كل يبقى الاختلاف الأساسي في أصل اشتقاق الكلمة نفسها هل هو من الفعل واتى يواتى، أو هو اسم للمغارم، أي الأتوات، أو هو غير هذا وذاك، وإنما هو اسم أعجمي يحمل دلالات خاصة تبعا للغته الأم، البربرية(10)، أو التكرورية(11) أو التارقية(12) أو العربية.

والمؤكد في كل هذا أن منطقة توات ضاربة في أعماق التاريخ" ويرجع تاريخ عمارتها إلى ما قبل الإسلام(13) وكانت تسمى بالصحراء القبلية، ثم كثرت عمارتها بعد جفاف نهر قير(14) في غضون القرن الرابع الهجري"(15). ولا أدل على ذلك من كثرت الحديث عنها في كتب المؤرخين والرحالة العرب والأعاجم كابن حوقل والحسن الوزان والكرخي واليعقوبي وابن بطوطة (ت 779هـ) وابن خلدون (ت 808هـ) وأبو سالم العياشي (ق 11هـ) والرحالة الحاج بن الدين الأغواطي (ت 13هـ).

تشكل المنطقة التواتية - حاليا - نقطة التقاء وتجمع أساسية لعدد من القبائل والأجناس البشرية الكبرى من عرب وزناته وطوارق وغير ذلك. تتمايز هذه التجمعات والقبائل في ما بينها بلهجاتها المحلية المختلفة لسان حالها الداخلي، بالإضافة إلى تمايز عاداتها وتقاليدها وغير ذلك. غير أن ما يجمع هذه الخلايا التجمعية الكبرى أكثر بكثير مما يفرقها. فبغض النظر عن عناصر الهوية الثابتة من وطن ودين وتاريخ، تأتي اللغة العربية، الوطنية والرسمية لتكون لسانا موحدا للجميع، ورافدا أساسيا لما أصبح يشكل لهجة محلية تواتية جامعة تضرب فيها العامية العربية بسهم وافر بحكم عوامل عدة. ويبقى الجزء اليسير لبقية اللهجات. وهذا ما جعل هذه اللهجة وفي كثير من الأحيان لا يفصلها عن اللغة الأم سوى قضية الإعراب تقريبا. بل الأكثر من هذا أنها ظلت تحافظ - وإلى الآن - على كثير من خصوصيات اللغة العربية التي غابت أو غيبت عن اللغة الرسمية. ومن هنا تأتي هذه الدراسة بإذن الله لتحاول البحث في جذور وخصائص هذه اللهجة التواتية الجامعة وكذا طبيعة العلاقة بينها وبين اللغة العربية الأم.

وبنظرة أولية لطبيعة اللهجة التواتية في أصولها وجذورها الأولية، وبغض النظر عن اللغة العربية الأم لهذه اللهجة كما ذكرنا، فإننا لا نجدها تخرج في روافدها الفرعية عن لغة البربر أو الزناتة الأصليين أو لغة الطوارق الذين استقروا بالمنطقة منذ القديم. ويضاف إلى كل هذا وذاك لغة المستعمر الفرنسي إبان احتلاله للجزائر.

وإذا كانت اللهجة الزناتية قد عرفت عبر تاريخها الطويل بالمنطقة تراجعا مستمرا أمام اللهجة العربية بحكم عوامل تاريخية واجتماعية عدة، وأصبح الحديث بها وعنها مقصورا على بعض مناطق قورارة (تيميمون) وعند بعض الفئات فقط، فإن اللهجة التارقية ظلت محافظة على بعض خصوصياتها وبخاصة عند سكانها الأصليين في الجزء الجنوبي من الولاية (دائرة برج باجي مختار). غير أن كل هذا لم يكن كافيا ليوقف زحف اللهجة العربية لتكتسح جل مناطق الولاية حديثا، ولتكون عنصر تفاهم عام لكل أبناء الإقليم.

وبالرجوع إلى هذه اللهجة العربية العامة - أو التواتية كما تسمى - في علاقتها مع اللغة العربية الفصيحة وجدنا العلاقة بينهما وطيدة - كما ذكرنا - إلى الدرجة التي أصبحت فيها هذه اللهجة عبارة عن فصحى محرفة، ليس إلا، وهذا التحريف موزع على مستويات عدة أهمها: (القواعد، والبنيات، والحركات، والحروف) وعلى جانبين أساسيين هما: المفردات والتراكيب. وهو ما نحاول الوقوف عنده بحول الله، بالإضافة إلى بعض مظاهر محافظة العامية على العربية الفصحى.

1 - المفردات:

أ - مستوى القواعد:
ويشمل التحريف في صيغ الأفعال: مثل (دخل، يدخل وخرج، يخرج وسمع، يسمع) وهذا كله بتسكين الحرف الأخير وفتح العين في المضارع بدل ضمها.
حذف نون الرفع: في مثل (يدخلون، يخرجون، يأكلون ويشربون) فهم يقولوا يدخلوا يخرجوا ياكلوا يشربوا مع فتح الفاء وتسكين العين. وإن كان هذا الاستعمال قد ثبت في كلام العرب(16).
تسهيل الهمز وهذا في مثل قولهم (جيت، مومن، بير، قرا...).
في اسم الفاعل: يأتون باسم الفاعل من المعتل على الأصل ودون إبدال ففي باع يقولون بايع بدل بائع وفي سال سايل بدل سائل وفي صام صايم بدل صائم وكلها اشتقا قات صحيحة الأصل. كما نراهم يدخلون عليه نون الوقاية. ومعلوم أن هذه النون تدخل في العربية لتقي الفعل من الكسر نقول: سامحني خاصمني لكنهم يقولون مسامحني، مخاصمني. والسبب كما هو ظاهر أنهم لما سكنوا (اللام) التقى ساكنان ففرقوا بينهم بهذه النون. وقد ذكر ابن هشام(17) أنه يجوز أن تلحق هذه النون اسم الفاعل أيضا تشبيها له بالفعل كما في قول الشاعر:

فما أدري وكل الظن ظني أمسلمَني إلى قومي شراحي

في الأسماء الخمسة: لا تلتزم العامة هنا بقاعدة هذه الأسماء بل تأتي بها مرفوعة في كل الحالات مثل: مشى خوه، ضربت خوه، كتاب خوه.
في أسماء الإشارة: يبدلون الذال دالا يقولون داك الرجل وقد يلحقون الهاء أيضا هداك الرجل.
في الاسم الموصول: تعوض الأسماء الموصولة (الذي، التي اللذان، اللتان، الذين، اللاتي وغيرها) بلفظ (اللي). وحينما ننظر إلى تركيبة هذا اللفظ نجده يأخذ القسم الأول من تلك الأسماء (ال) بالإضافة إلى الحرف الأخير أحيانا. وقال الكوفيون أن: الألف واللام قد تقام مقام (الذي) لكثرة الاستعمال طلبا للتخفيف قال الفرزدق:

ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

أراد (الذي ترضى)(18).
في التصغير: يتم بنفس الطريقة تقريبا لكن بفتح الأول أو تسكينه لا ضمه وبفتح ما قبل الآخر (عمير حميد خويرة بنية).

وفي المركبات يصغرون الجزء الأول فقط أيضا (عبيد الله، عبيد الكريم) وقد يستغنون عن الجزء الأول ويصغرون الجزء الثاني (قويدر) كما أنهم يرخمون المضاف بحذف آخر المضاف إليه على رأي الكوفيين(19) فيقولون في (يا عبد القادر) (يا عبد القا). وحينما ينحتون من المركب لفظا يصغرونه عاديا أيضا، كما في قولهم (عبد الله، علله، عليله).
ب - مستوى بنية الكلمات:
وفيها تغير العامة هيئة كثير من الكلمات زيادة أو نقصان ومن أمثلة ذلك: جلابية - من جلباب - وهذا بإبدال (الباء) الأولى (لاما) وإدغامها، وإضافة ياء مشددة وهاء السكت.
وفي القلب المكاني:
- يقولون عفر بدلا من رعف.
- ويقولون قضب بدلا من قبض.
- وماسط بدلا من سامط. (سيأتي الحديث عن هذه اللفظة وأصل دلالتها في العربية).
- ويقولون جبد بدلا من جذب (وفيها إبدال بين الذال والدال).
وفي النحت يقولون: أمالا، المركبة من (أن، ما، لا) وأصلها كما يقول شوقي ضيف (أن كنت لا تفعل). وقد استشهد بحديث للرسول (ص) قال فيه لفتية من الأنصار رآهم يتبعون بعيرا قال (أتبيعونه. قالوا: لا بل هو لك قال إما لا فأحسنوا إليه) ويعلق شوقي على هذا ويقول: (أراد إن كنتم لا تبيعونه فأحسنوا إليه)(20) ونظير هذا عند العرب شاهدهم في قول الشاعر:

أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع

والتقدير فيه: أن كنت ذا نفر، فحذف الفعل وزاد ما على أن عوضا عن الفعل(21).
بعدين - المركبة من كلمتي: بعد آن.
عمنول - المركبة من كلمتي: عام وأول.
فيسع - المركبة من كلمتي: في الساعة.
ما عليهش - المركبة من كلمات: ما عليه شيء.
منين - المركبة من حرف الجر (من) والظرف (أين).
ويلمه - وهي لفظة للتعجب مركبة من ويل لأمه. وأصل العبارة عند العرب دعاء ثم وسعت دلالتها لتشمل التعجب. وقد وردت مستعملة عند الشاعر كعب بن زهير في قصيدته بانت سعاد حيث يقول:

ويلمها خلة لو أنها صدقت بوعدها ولو أن النصح مقبول

ما كانش منها: وأصلها ما كان شيء منها.
جـ - مستوى الإبدال في الحروف والحركات:
ومثيل هذا عندهم كثير نذكر منه تمثيلا لا حصرا:
إبدال (الذال) (دالا) أو (زايا): لأن الذال لا تنطقه العامة هنا البتة. فهم يقولون أدن وأزن، إداعة وإزاعة، اللدين واللزين. وهذا الأمر ينطبق هنا حتى عند الناطقين بالفصحى من أبناء المنطقة.
إبدال (السين) (صادا) مثل: قارس بدلا من قارص.
إبدال (الضاد) (دالا): في مثل قولهم مدغ بدلا من مضغ.
إبدال (الظاء) (ضاء) مثل قولهم: الحفض، الحنضل، الضفر، الضهر وهذا. الإبدال أيضا مطرد في العربية وقد ألفت فيه منظومات للتفرقة بين الحرفين.
إبدال (العين) (غينا) في مثل قولهم: غامق بدلا من عامق.
إبدال (القاف) (قافا) بثلاثة نقاط وهذا عندهم كثير مثل: وقف، قرب، قالوا. وعن هذا الحرف (القاف) بثلاثة نقاط واستعمالاته يقول الطيب البكوش: قد يكون في النطق القديم شبيها بالقاف (الثلاثية) وهي تقريبا قاف البدو أو جيم مصر فنحن نلاحظ أن البدو وهم أكثر قربا من النطق القديم يستعملون القاف (بثلاثة نقاط) حيث يستعمل أهل المدن والحواضر القاف(22).
إبدال (اللام) (نونا) مثل: جبرين بدلا من جبريل، واسماعين بدلا من إسماعيل.
أما عن إبدال الحركات فهو كثير وأكبر من أن يحصى.

2 - التراكيب والأساليب:

ونمثل له هنا ببعض التراكيب والأساليب المستعملة عند طرف العامة من باب البيان أو البديع مثل التشبيه والمجاز والكناية أو المثل.

أ - التشبيه:

في التشبيه كثيرا ما تميل العامة إلى الحذف قدر الإمكان ولهذا كثر عندهم التشبيه البليغ دون غيره، وفيه نراهم يبقون التشبيه على ركن واحد فقط هو المشبه به، وذلك حينما يكون المشبه معلوم في مثل قولهم: شيطان، نعجة وما شابه ذلك. والتقدير أنت شيطان. وقد يبقون على ركني التشبيه البليغ (المشبه والمشبه به) مثل قولهم (أنت نمس) ووجه الشبه هو في حيل وحركات هذا الحيوان الذي هو عبارة عن دويبة صغيرة، تنقبض وتنضم وتستدق حتى كأنها قطعة حبل. وهو حيوان لاحم تلد أنثاه مرتين في السنة، يدجن ويستخدم في صيد الأرانب(23).

ب - المجاز:

تقول العامة في تعبيرها إذا رأت رجلا يقبل امرأة: (فلان يحب فلانة) ويحب هنا مجاز حقيقته يقبل. ومعلوم أن الحب سبب في القبلة فأنت لا تقبل إنسانا تكرهه، ومنه فالعلاقة بين المجاز والحقيقة علاقة سببية. وكقولهم أيضا: (رجل شبعان): أي غني. وشبعان هنا مجاز حقيقته غني. والشبع مسبب عن الغنى، ومنه فالعلاقة بينهما مسببية. وعندهم أيضا أن الرجل إذا زرع أرضه يقولون عنه (خضر الارض) وحقيقة خضر المجازية كما قلت زرع أي الزرع الذي سيكون اخضرارا، ومنه فالعلاقة بينهما اعتبار ما سيكون وهكذا.

جـ - الكناية:

تستعمل اللهجة التواتية الكنايات بكثرة بهدف تقوية معانيها من جهة وبهدف الوصول بالفكرة إلى ذهن السامع من أيسر السبل وأبسط الوسائل، مثال ذلك عندهم:
- بارد القلب: وهي كناية عندهم عن صفة اللامبالاة وعدم الشعور والإحساس بالمسؤولية.
- راه يصفر: كناية عن الإفلاس وعدم ملكه لأدنى شيء. وهي كناية عن الصفة وقد وردت اللفظة بهذا المعنى في كتاب النخلة لأبي حاتم السجستاني حيث يقول: "والتصفير أن لا يبقى في النخل شيء من التمر، ومن ذلك يقال: صفرت يده إذا لم يكن فيها شيء ويده صفر من ذلك"(24).
- كتاف عراض: كناية عن صفة القوة والسلطة المادية والمعنوية.
- نهار كحل: كناية عن كثرة الأعمال.
- على العين والراس كناية عن الاهتمام والقدر الرفيع. وفيها يقول الشاعر:

ألا قد قدمت فوزا فقر عين عباس
لمن بشرني البشرى على العينين والرأس
- ما فيها إلى ولا حتى: يقولونها للبث في الأمر وقطع التردد رفضا. ردا لمن يتعلل بقوله: احضر مثلا إلى أن يحدث كذا وكذا، وحتى يحدث كذا وكذا فيقولون: تحضر ما فيها إلى ولا حتى.
شايل الله به: هي لتعظيم الأولياء وأصلها شائل الله به، أي: رافع. من شال بمعنى رفع. قال الشاعر:
ما أجدر الحق أن تحنى الرؤوس له وأن يشال على الأعناق كالعلم
- اللا بالتي. كناية عن الرفق والتأني وهي من قوله تعالى في سورة الإسراء الآية 34: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) وفي سورة العنكبوت، الآية 36: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، وفي سورة النحل، الآية 125: (ادع إلى سبيل ربك بالحكة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، وفي سورة فصلت، الآية 34: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).
- عفت حياتي. وهي عندهم كناية عن التذمر والسخط وفيها يقول الشاعر:
ولقد عفت في هواك حياتي وتغربت بين أهلي ومالي
- ولى فحمة: وهي كناية عن شدة البكاء وفيها يقول ابن قتيبة: يقولون: بكى الصبي حتى فحَم بفتح الحاء أي انقطع صوته من البكاء(25).
- ما وصيتك: يقولونها عند الإرسال في طلب الحاجة. قال حسان بن ثابت (ض):
إذا كنت في حاجة مرسلا فأرسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى فشاور لبيبا ولا تعصه
- الشبعة في وجهه: كناية عن نسبة.

د - الاستعارة:

ومن أمثلتها عندهم يقولون: طار النوم من عيني. وهي استعارة مكنية فيها تشبيه للنوم بالحيوان أو الطائر وهذه الاستعارة بلفظها ومعناها وردت مستعملة في شعر أبي العتاهية حيث يقول(26):

أرقت وطار عن عيني النعاس ونام السامرون ولم يؤاسوا

ويضاف إلى كل هذا جانب الحكم والأمثال الشعبية الكثيرة عندهم والفصيحة في لفظها ومدلولها أيضا. ومن أمثلة ذلك في الحكم (الجار قبل الدار) وقد ذكره النيسابوري في مجمع أمثاله (ج1، ص 306) وباللفظ نفسه(27).
ومن الأمثال يقولون:
- ذكرو يحضر. وقد ورد المثل عند النيسابوري في مجمعه (ج2، ص 11) بنفس اللفظ والدلالة (اذكر غائبا يقترب).
- الزايد خو الناقص. ويقول النيسابوري في مجمعه (ج3، ص 76): كل زائد ناقص.
- كل شاة تتعلق من رجليها. لتحمل المسؤولية الفردية. ويقول النيسابوري في مجمعه (ج3، ص 23): كل شاة من رجلها معلقة.
وفي جانب البديع يحرص التواتيون أحيانا على تنميق أساليبهم - وإن كان ذلك ليس مطردا عندهم - فيكون البديع عامل إيضاح وتقريب لا هدفا في حد ذاته. ومن أمثلة ذلك:
الجناس الناقص: (اللي فات مات). و(ياكل الغلة ويسب الملة) و(به فيه) و(نهار اللي تحزمت العمشة لقت النهار مشى).
الطباق: يقولون: مشى وجا، طالع هابط، قاعد واقف.
الترادف: ما شفت ما ريت، ما رقد ما نام.
الذم في ما يشبه المدح: وفيه يقولون للذي لا يعرف القراءة: (أنت تقرى الضمياضي) والضمياضي أصلها الدمياطي بالدال والطاء نسبة إلى دمياط المصرية. والدمياط هو علم معقد تستعمَل فيه طرق باطنية لتفسير القرآن، وهو ينسب في استنباطه إلى العلم الدمياطي المعروف بعبد الله الدمياطي. وفي هذا أيضا قد يوبخ الأب منهم ابنه الذي لم يراجع دروسه وحصل على توبيخ ولم ينجح في صورة مدحية ظاهرا أيضا فيقول: (قريت واديت تهنئة وانتقلت بارك الله فيك).
التعبير بما يراد به الضد: وهو ما يعرف عند اللغويين بالأضداد وعندهم فيه كتب كثيرة أشهرها كتاب الأضداد للأنباري. ومن الأضداد كما ذكر الأنباري(28): كلمة (وراء). فهي تعني خلف وتعني أمام. ويفسر ذلك بقوله تعالى في سورة الجاثية، الآية 10: (من ورائهم جهنم) ومعناه (من أمامهم) وقوله تعالى في سورة الكهف، الآية 79: (وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا). ونظير هذا عند العامة هو قول الصديق لصديقه مثلا أنا مريض. فيرد الثاني أنا أقل منك. وهو يقصد أكثر منك مرضا. لكنه يعبر عن ذلك بالضد. وقد تكون بمعنى أنا لست أكثر منك.

وبالإضافة إلى كل هذه لخصائص التي تميز الفصحى في اللهجة التواتية، نجد أن هذه اللهجة تظل في معظم موادها محافظة على الأصول والفروق من اللغة، ووصل الحد في ذلك إلى الدرجة التي غابت فيها كثير من هذه المواد عن الاستعمال الرسمي للغة العربية حاليا، وأصبحت حكرا على العامية وبدلالتها الفصيحة. وسنمثل لكل ذلك بنموذجين: الأول عام يمس باقة من الألفاظ المختلفة. والثاني: خاص أردناه مع النخلة عنصر الصحراء، في مسمياتها وفروعها الدقيقة وعلاقة كل ذلك بلغتنا العربية الفصحى.
النموذج الأول: ونمثل فيه بما يزيد عن الأربعين لفظة من قاموس اللهجة التواتية وما يقابلها في لسان العرب قديما وألفاظه على الترتيب هي:
بان: بمعنى ظهر. وقد يستفهمون به. ما بان فلان. أي ما ظهر ويقول عنها ابن منظور في لسانه(29) (ج13، ص 67) (بان الشيء اتضح فهو بين).
البرنوس: وهو عندهم نوع مخصوص من الثياب يستعمل شتاء لرد البرد. وقد عرفه ابن منظور في لسانه (ج6، ص 26) بقوله: (البرنس: كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كانت أو ممطرا أو جبة).
البسيسة: وهي نوع من الأطعمة يقول عنها ابن منظور (ج6، ص 26) نقلا عن ابن سيده: (البسيسة خبز يجفف ويدق ويشرب كما يشرب السويق) ومن كنايات العامة في هذا، يقولون للمهزوم من الشجار: فلان مبسس. دلالة على منظره بعد العراك وتمرغه في التراب. وفي ذلك أيضا يقول ابن منظور عن ثعلب: (معنى وبست الجبال بسا، خلطت بالتراب). بل إن لفظ البسبسة التي يتغامز بها بعض الناس في قولهم (بَس بَس أو بس بس) جاء في كلام العرب الفصحاء أيضا. يقول ابن منظور: (بسبس من زجر الدابة... وأبس بالناقة دعاها للحلب).
البعير: يطلقونه على الجمل والناقة معا وهو هنا تدقيق منهم وتفريق بين الجنسين. وفي هذا يقول أبو منصور الثعالبي(30) في كتابه فقه اللغة الفصل الثاني في أسماء الإبل، (ص 35): (الجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبعير بمنزلة الإنسان). وقد جاء اللفظ بهذه الدلالة العامية في القرآن في سورة يوسف، الآية 65: (ونزداد كيل بعير).

والخلاصة في كل هذا أن جل هذه الكلمات وغيرها في النموذجين معا هي كلمات فصيحة لفظا ومعنى وهي في معظمها وإن كانت متداولة عند التواتيين وغيرهم من العامة إلا أنها لم يبق لها حيز في الاستعمال الرسمي للغة، بل إن معظم هذه المفردات حينما دخلت برنامج الحاسوب أولا علمها بخط أحمر دلالة على خطئها أو عدم معرفتها. كما أنك إذا حاولت الحديث بهذه المفردات وغيرها من بقايا الفصاح في لهجة التواتيين، فإنك ستقابل بالسخرية والاستهزاء ظنا من الجميع بعاميتها وابتعادها عن لغة الضاد. وملخص القول هنا أن من أهم النقاط التي وصلنا إليها من خلال هذه المداخلة نوجزها في ما يلي: اللهجة التواتية الآن هي خليط بين العربية والزناتية والفرنسية والتارقية. تشترك هذه اللهجة في كثير من خصائصها مع اللهجات الأخرى وتختلف عنها. وتعد هذه اللهجة من أهم اللهجات داخل الوطن حفاظا على العربية الفصحى. لا تزال اللهجة التواتية تحافظ على كثير من مفردات العربية التي غابت عن الاستعمال الرسمي لهذه اللغة. وتمثل هذه اللهجة حاليا كل مستويات التعبير العربي أفراد، مركبات، أساليب. مع توظيف خاصيتي: التسهيل واللا إعراب.

الهوامش:
1 - الشيخ بوعمران وآخرون: معجم مشاهير المغاربة، جامعة الجزائر 1995، ص 365.
2 - عبد العزيز بن عبد الله: الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، المغرب 1976، ص 62.
3 - محمد بن عمر الجعفري: نقل الرواة عن من أبدع قصور توات، ص 4. (مخطوط).
4 - أحمد بن خالد الناصري: الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى، الدار البيضاء، المغرب 1997.
5 - محمد بن عبد الكريم البكري: درة الأقلام في أخبار المغرب بعد الإسلام، ص 6. (مخطوط).
6 - أحمد بن محمد الفيومي: المصباح المنير، المطبعة الأميرية، ط4، القاهرة 1921، ج1، ص 108.
7 - محمد بن عبد الكريم البكري: المصدر السابق.
8 - مثل المؤرخ محمد بن عمر في مخطوطه نقل الرواة، ومولاي أحمد الإدريسي في مخطوطه نسيم النفحات في ذكر جوانب من أخبار توات والشيخ محمد باي بلعالم في محاضرته حول المنطقة.
9 - انظر، عبد الرحمان السعدي: تاريخ السودان، تحقيق هوداس، مطبعة بردين، باريس 1964، ص 7.
10 - لغة القبائل الأصلية التي سكنت المنطقة.
11 - البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، تحقيق محمد إبراهيم الكتاني ومحمد حاجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1981، ص 26.
12 - التارقية لغة الطوارق من سكان الصحراء.
13 - انظر، التسلسل الزمني لأحداث توات (معالم عن التاريخ)، مركز البحث العلمي، غرداية (د.ت).
14 - الرحلة العياشية ماء الموائد، تحقيق محمد حاجي، مطبوعات دار المغرب، ط2، الرباط 1977، ج1، ص 18.
15 - الشيخ باي بلعالم: محاضرة في التعريف بمنطقة توات، مكتبة أدرار.
16 - ينظر، د. شوقي ضيف: تحريفات العامية للفصحى في القواعد والبنيات والحروف والحركات، دار المعارف بمصر، ص 31.
17 - ابن هشام: مغني اللبيب، تحقيق حنا الفاخوري، ط2، 1997، ج1، ص 557.
18 - ينظر الأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف، تحقيق د. إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت 1998، ج2، ص 55-56. ود. صبحي تميمي: هداية السالك إلى ألفية ابن مالك، دار البعث، ط2، قسنطينة 1990، ج1، ص 17.
19 - ينظر، المسألة في كتاب الإنصاف، ج1، ص 323 وما بعدها.
20 - شوقي ضيف: تحريفات العامية للفصحى، ص 136.
21 - ينظر الإنصاف في مسائل الخلاف، ج1، ص 74 وما بعدها.
22 - التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث، مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله، ط2، تونس 1987، ص 42.
23 - الجاحظ: كتاب الحيوان، الزيتونة للإعلام والنشر، باتنة 1989، ص 24.
24 - أبو حاتم السجستاني: كتاب النخلة، تحقيق د. حاتم صالح الضامن، دار البشائر الإسلامية، بيروت 2002، ص 78.
25 - ابن قتيبة: أدب الكاتب، تحقيق محمد محي الدين، ص 45.
26 - أبو العتاهية: ديوان أبي العتاهية، شرحه مجيد طراد، دار الكتاب العربي، بيروت 1999، ص 202.
27 - النيسابوري: مجمع الأمثال، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، بيروت 1987.
28 - انظر، الأنباري: الأضداد، تحقيق محمد أبو الفضل، المكتبة العصرية، بيروت 1987، ص 68.
29 - ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت.
30 - أبو منصور الثعالبي: فقه اللغة، تحقيق د. عمر الطباع، شركة دار الأرقم، بيروت 1999.
الإحالة إلى المقال:

* أحمد جعفري: اللهجات التواتية وعلاقتها باللغة العربية الفصحى، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس 2006. http://annales.univ-mosta.dz

***