الصوفي والفلسفي في شعر عفيف الدين التلمساني

مصطفى مجاهدي
مركز البحث كراسك وهران، الجزائر

الملخص:

لقد كانت الدراسات الأولى سباقة في إخراج جزءا من الذاكرة إلى النور ولكنها أثارت في الوقت نفسه إشكاليات أخرى تستدعي البحث، ومن بين هذه الإشكاليات ذلك الإجماع المطلق الذي نلمسه حول تصنيف شعر عفيف الدين التلمساني في خانة، "فلسفة وحدة الوجود"، التي اشتهر بها ابن عربي، والتي تلقاها شاعرنا عن طريق صدر الدين الرومي. فلئن كان قد ثبت تاريخيا هذا الاتصال، فذلك لن يكون حجة كافية وخلفية قوية يمكن اعتمادها في قراءة أعماله والحكم عليها من هذا المنطلق. ويكون من الضروري والمفيد إعادة قراءة شعر هذا الصوفي، بعيدا عن تلك التقسيمات السابقة المفروضة كمقاييس مسبقة، وتحرير الصوفي من الفلسفي.

الكلمات الدالة:

التصوف، الفلسفة، التلمساني، ابن عربي، وحدة الوجود.

***
Mystic and philosophical in the poetry of Afif al Din al Tilimsani

Abstract:

The first studies were the first to bring a part of memory to light, but at the same time they raised other problems that warrant research. Among these problems is the absolute consensus that we perceive about classifying Afif al-Din al-Tilimsani's poetry in the field of "the philosophy of unity of existence", which Ibn Arabi was famous for, and which our poet received through Sadr al-Din al-Rumi. If this contact has been historically proven, that would not be a sufficient argument and a strong background that can be relied upon in reading his works and judging them on this basis. It would be necessary and useful to re-read the poetry of this Sufi, away from those previous divisions imposed as preconceived standards, and to free the Sufi from the philosophical.

Key words:

Sufism, philosophy, Tilimsani, Ibn Arabi, pantheism.

***

النص:

يتعلق موضوع هذه المداخلة المتواضعة بعالم من أعلام الجزائر، وشخصية ميزت بإنتاجها الأدبي والفكري، القرن السابع عشر الهجري، وهو العالم الصوفي عفيف الدين التلمساني، المعروف عند سكان تلمسان "بسيدي حفيف".

وهو أبو الربيع سليمان عفيف الدين بن علي بن عبد الله بن علي بن ياسين العابدي الكومي، المولود حوالي سنة 610 للهجرة كما ذكر ذلك بعض اللذين كتبوا عنه، أما المستشرق الألماني بروكلمان والدكتور عمر فروخ، فقد جعلوا مولده سنة 613 هجرية، الموافق للسنة 1216 للميلاد، ولقب العابدي نسبة للعباد مكان مولده أين يوجد حاليا ضريح الولي الصالح أبي مدين الشعيب، أما الكومي، فذلك نسبة إلى قبيلة كومية التي ينتسب إليها أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، وهي إحدى فروع زناته، خلافا لما ذهب الدكتور علي صافي حسين في كتابه الأدب الصوفي في مصر في القرن السابع الهجري(1)، حيث أورد كلمة كوفي بدلا من كومي، ومنشأ الغلط راجع إلى الذين طبعوا كتاب فوات الوفيات، لابن شاكر في طبعاته القديمة والطبعة المحققة لمحي الدين عبد الحميد، وضعوا الكوفي بدل الكومي ربما يعود ذلك لجهلهم بوجود قبيلة كومية في الجزائر، ونسبوه بالتالي خطأ إلى الكوفة(2).

وكانت تلمسان في هذا القرن في أوج تطلعها لكل ما هو صوفي، وكل ما اتصل بالزهد والنسك والكرامة، وكلمة الصوفي مسموعة لا ترد، ويستهوي أهلها كل ما هو رائق، وترعرع عفيف الدين وسط هذا الجو العقائدي والثقافي ليشد الرحال فيما بعد إلى المشرق مرورا ببعض حواضر العلم آنذاك مثل بجاية وتونس والقاهرة، ومن ثم إلى آسيا الصغرى أين التقى بالعالم الصوفي والفيلسوف محمد بن إسحاق بن يوسف بن علي المعروف باسم صدر الدين الرومي المتوفى سنة 673 للهجرة، والذي كان من أكبر تلامذة محي ابن عربي الذي تزوج أمه ورباه، وكان للفترة التي قضاها العفيف التلمساني مع صدر الرومي أثرها البالغ الذي انعكس في شعره جليا، حيث عرفت تلك المرحلة انفتاح الحضارة الإسلامية على الحضارات الأخرى مثل اليونانية والهندية، فكان للأفلاطونية المحدثة التي تأثر بها الفكر الصوفي وعلم الكلام والتي شكلت محور نقاش طويل صداها القوي في شعر عفيف الدين. إلا أن هذه التجربة الفلسفية لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الماضي الذي نشأ فيه الشاعر، فهو تجربة مزدوجة، يجب النظر إليها في نشأتها العقائدية، وفي كمالها الفلسفي(3).

لما نثير موضوع الصوفي والفلسفي في شعر عفيف الدين التلمساني، فنحن نشير هنا إلى ذلك التداخل الكبير الحاصل بين تجربتين مختلفتين من حيث المنبع، ومتكاملتين من حيث الغرض، تتجليان في تناسق وبعبقرية كبيرة في الصورة الشعرية عند عفيف الدين التلمساني(4)، ولكن قبل الحديث عن هاتين التجربتين عند شاعرنا يجب أن نضع الفرق واضحا بين المقصود بما يعرف بفلسفة وحدة الوجود، ومعنى الذي تعطيه المراجع النظرية لوحدة الشهود، فهذا التداخل الكبير بينهما جعل الباحثين ينسبون جل أهل التصوّف الدين خاضوا التجربة بشكل أو بآخر إلى الفلسفة دون ضوابط موضوعية مقنعة.

فوحدة الوجود هي التجربة التي تظهر فيها معالم التوحيد بنزعة فلسفية، يأتي على رأس نظامها معنى الواحد الذي تفيض عنه الموجودات فيضا ضروريا - فالحق، الجوهر - واحد تصدر عنه وحدات أخرى من عقل ونفس ومادة وجمال فهي خلق معبر عن الجوهر الحق، والصوفي الذي يعتنق هذا النظام المتسرب من الأفلاطونية المحدثة (نسبة إلى أفلوطين الإسكندراني) ومن التراث الهندي إلى الفكر الإسلامي، لا ينتبه إلا للواحد الجوهر الحق، لأن الوحدات الأخرى مهما كونها وحدات ألا أنها لا تمثل جوهر في ذاتها، وإنما هي منبثقة عن الواحد الجوهر، فهي بذلك خلق للحق(5).

أما وحدة الشهود فهي تجربة تجتمع مع سابقتها في اعتبارها تقود إلى التوحيد و تختلف عنها كونها ذات بعد وجداني، وينتمي لهذا التيار أولئك الذين مارسوا التصوف بعيدا عن التأثير الفلسفي وسلكوا طريقا آخر أوصلهم إلى القناعات نفسها التي تميز التصوف الفلسفي، ولهذا يصعب التمييز في الشطحات الصوفية بين النزعتين، الفلسفية والوجدانية، وإن كان الصعب لا يعني المستحيل.

ولما كان الأمر يستدعي التدقيق فقط لوضع الحدود بين التجربتين، فلماذا نقبل تلك الأحكام المطلقة التي تنسب عفيف الدين التلمساني إلى مدرسة ابن عربي جملة وتفصيلا دون دراسة من شأنها الوقوف على هذه التجربة ودراستها.

فالعفيف التلمساني لم يخرج من هذه الربوع إلا وهو حامل لرصيد روحي تراكم في أعماقه بفضل التربية التي قادته إلى صوفية مبكرة، وللمنطقة التي ترعرع فيها باع طويل في ذلك، مثلما لازم الخلوات المتتالية التي عرفته بخالقه معرفة وجدانية، وبذلك فهذا الفيض الروحي كان سباقا إلى أعماقه ليغمر وجدانه، فهو الأصل في تجربة التوحيد التي عاشها العفيف، ولم يقدم على التجربة الفلسفية إلا في مرحلة لاحقة، حيث استطاع من خلالها الوقوف على الأفكار الفلسفية التي تؤيد كل ما يجيش في باطنه المغمور بثمار تلك الخلوات التي حملته إلى بلوغ المعاني الحقيقية للانفراد، والإفراد، والتفريد، مثلما سيأتي شرحه لاحقا.

إن هذه التجربة التي بدأها العفيف في هذه الديار، استمرت في أرض الروم لتدوم ألفا وستمائة يوما، أي أربعين خلوة لا يخرج من وحدة إلا ليدخل في الأخرى، مثل ما ذكر ذلك الجزري في تاريخه(6)، فهذه الدراسة المتواضعة هي قراءة جديدة تحاول التملّص من تلك الأحكام العامّة المسبقة التي تمارسها علينا التقسيمات السابقة، وسنحاول الوقوف فيما يلي على أثر الفلسفة في شعر العفيف. إن تأثير الفلسفة على شعر العفيف، يمكن الوقوف عليه، من خلال حقيقتين، الأولى تاريخية وتتمثل في اتصاله بصدر الدين الرومي، أحد أشهر تلامذة ابن عربي.

أما الحقيقة الثانية، يمكن أن نقف عليه من خلال مقارنة بعض أفكاره، بمبادئ فلسفة ابن عربي، وهو أرقى وأقوى ممثل لفكرة وحدة الوجود، إذ يقول د. أبو العلا عفيفي الذي علّق على كتاب فصوص الحكم "لم يكن لمذهب وحدة الوجود في الإسلام صورته الكاملة قبل ابن عربي، فهو الواضع الحقيقي لدعائمه والمؤسس لمدرسته والمفصل لمعانيه ومراميه"(7)، ولن يكون هناك ممثلا أسمى من أبي حامد الغزالي لمعنى وحدة الشهود، وقد أن سبق أن ذكرنا السبب.

وإذا وافقنا أبو العلا فيما يذهب إليه، فالوجود بنظر ابن عربي مثلما تدل على ذلك كتاباته حقيقة خالية من أي تعدد وثنائية رغم ما تصوره لنا الحواس من ثنائية بين الله والعالم، وبين الحق والخلق، بل هذان الاسمان هما وجهان لحقيقة واحدة، إذا نظرت إليها من ناحية سميتها حقا وإذا نظرت إليها من ناحية أخرى سميتها خلقا. يقول ابن عربي(8):

فلا تنظر إلى الحق وتعريه عن الخلق
ولا تنظر إلى الخلق وتكسوه سوى الحق
ونزهه وشبهه وقم في مقعد الصدق
وكن في الجمع إن شئت وإن شئت ففي الفرق
ونجد عفيف الدين هو الآخر يعيد إنتاج هذه الفكرة في قالب شعري جديد أذ يقول(9):
شهدت نفسك فينا وهي واحدة كثيرة ذات أوصاف وأسماء
ونحن فيك شهدنا بعد كثرتنا عينا بها اتحد المرئي والرائي
فأول أنت من قبل الظهور لنا وآخر أنت عند النازح النائي
وباطن في شهود العين واحدة وأنت نطقي والمصغي لنجوائي
وهذا دليل واضح على مدى تأثر عفيف الدين بفلسفة ابن عربي من خلال وضوح فكرة وحدة الوجود بالصفة التي يعرضها ابن عربي. وهناك أثر لمبدأ فلسفي آخر يتجلى في قوله(10):
وأودعت الأنوار فيهن سرها فنمت عليهن الرياح النواسم

ومثلما تعلمون ففكرة النور التي تسربت هي الأخرى من الأفلاطونية المحدثة نفسها، تحولت إلى مقياس يميز الحق عن الخلق، فالحق أو الوجود الحقيقي هو النور، أما ما عداه فهو محض ظلام لا وجود حقيقي له سوى من خلال النور، وترى هذه الفلسفة أن الجوهر الإلهي إنما تجلى في أول الأمر من خلال الصفة النورانية، والنور يعبر عن تلك المعارف الإلهية التي تضيء قلب الصوفي، والله هو مصدر الفيض الذي يظهر لدى الصوفي في مواهب ثم شطحات، ولما يحن الإنسان إلى مصادر النور فما عليه سوى أن يتخلص من تلك الماديات التي تبعده عن معايشة النور الروحاني.

وهناك صورة شعرية أخرى يزاوج فيها العفيف بين قناعة فلسفية وأخرى وجدانية، ولا نكاد نرى خيوط الاتصال سوى من خلال الوقوف على النظام الفكري الحامل لهذا الفكر، ويتعلق الأمر هنا بمكانة القطب، فهو يقول(11):

غدا وصفكم للحسن ذاتا فشمسكم بكم فيكم أضحى له الشرق والغرب
تحركها الأشواق من كل جانب فتمنعها تلك المهابة والحجب
فلا هي يغشاها سكون فلا ترى سبيلا لذا حارت فدارت فلم تنب
تدور على بعد من المركز الذي به أنتم إذ كان شخصكم القطب
فلو قيست الأبعاد من كل وجهة تساوت فلا بعد هناك ولا قرب
ما المقصود بهذا الكلام؟ وكأن الأمر يتعلق بنظام هندسي أو نظام فكري.

ويظهر هدا النظام الفكري فيما أوردته المراجع النظرية عن مراحل السالك في التربية الصوفية، فأما المرحلة الأولى فتبدأ بالمعرفة وتنتهي بالفناء الكامل، وأما الثانية فتبدأ حيث يخلف البقاء الفناء(12). ومن وصل لهذه المرتبة رحل في الحق بالحق إلى الحق حتى يصير هو حقا، ولا يزال يرحل حتى يصل إلى مرتبة القطب التي هي مرتبة الإنسانية الكاملة، ويصير مركز العالم الروحي،مثلما ذكر في الأبيات، حتى أن كل نقطة يصل إليها الناس متساوية في البعد عن مرتبته وتدور حولها، ولا فرق عند القطب بين القرب والبعد، وفي عرف الصوفية أنه من حاز هذه المرتبة الرفيعة كان العلم والمعرفة والفناء أنهار من محيطه يمد بها من يشاء.

فأما في المرتبة الثانية فإن الإنسان الكامل يحمل همه منصرفا إلى خلق الله، ويكشف عن نفسه لهؤلاء الذين فشلوا في التحرر من أوصالهم الترابية كل بحسب درجته فهو يبدو لصاحب الدين متدينا، وللعارف الذي فني عن ذاتيته واقفا، ويبدو للواقف قطبا، فهو أفق كل مرتبة صوفية تنتهي عندها مراتب الرياضة، وليس بعدها إلا الموت الحسي، الذي ينقله للعالم العلوي.

تتجلى المبالغة في الخلط بين التجربتين الفلسفية والصوفية بوضوح في قول كريمر "إن التصوف الإسلامي قد تحول في نهاية القرن الثالث الهجري - أي عصر أبي يزيد البسطامي والحلاج - إلى حركة دينية انصبغت بصبغة وحدة الوجود التي تغلغلت فيه وأصبحت من مقوماته في العصور التالية "وهذا كلام فيه مبالغة إذ لا يمكن أن ننسب الحلاج والبسطامي، ولا حتى ابن الفارض الذي عاصر ابن عربي، إلى وحدة الوجود، بل تجارب هؤلاء كانت بعيدة عن تأثير هذا التيار، إذ أفنوا أنفسهم في حبهم لله، فلم يشاهدوا في الوجود غيره، وهذه وحدة شهود لا وحدة وجود(13). فلئن ثبتت نزعة وحدة الوجود في فلسفة ابن عربي وأتباعه، فإن وينسيك ينفي هذه النزعة في تجربة التوحيد عند أبي حامد الغزالي، الذي يرى أن الله هو كل شيء، والعالم لا وجود له إلا من خلال وجود الله، عل عكس ما تقره فلسفة وحدة الوجود بأن كل شيء هو الله، فالله لا وجود له إلا من خلال العالم، ويرى وينسيك (Wensinck) أن هذا التوحيد هو مذهب الوحدانية السامية (Monothéisme sémitique)(14).

وإذا أردنا أن نتبين معالم تلك التجربة بالشواهد التي تقرب الشاعر من أبي حامد الغزالي وأبي يزيد البسطامي وغيرهما ممن أفنوا ذواتهم تقربا للمعشوق الحق، ما علينا إلا أن نقف على الحقائق التي أثمرت عن خلواته المتتالية، والتي قادته من طريق آخر إلى التوحيد، عن طريق المجاهدة، المفضية إلى إدراك المعاني الحقة للانفراد وما يقتضيه من تحرير الذات والوجدان تحريرا مطلقا من كل الروابط، والتفريد وما يتطلبه من صرف الباطن عن النظر والتفكير في غير الله، والإفراد وهو المعنى الحقيقي للتوحيد عند الصوفي والذي تنفتح له نوافذ أخرى لا يرى منها العوام، وعن هذه التجربة يقول(15):

وقفنا على الربع القديم فما أغنى ولا دلت فيه الألفاظ على معنى
وكم فيه أمسينا وبتنا بربعه حيارى وأصبحنا حيارى كما بتنا

فالوقوف على الربع القديم، هو المنهج الذي سلكه في العبادة قبل أن ينتقل إلى الربع الجديد - أي التصوف -، ولم تقدم له تلك الطريقة التقليدية في العبادة ما يروي ظمأه وحبه في الوصول إلى الحقيقة المنشودة، فالألفاظ لم تتغير من الربع القديم إلى الربع الجديد، ولكن قديما كان يجهل الدلالة الحقيقية لهذه الألفاظ، ولكن في الربع الجديد و بتدرجه في المراتب تنكشف له أسرارا لم يكن ليعرفها لو بقي على طريقته القديمة، فهذا النور الرباني هو الذي أفاض هذه المواهب لمعرفة الأسرار، وهذا النور لا يقذفه الله سوى في قلوب الزهاد والسالكين طريق التصوف وما يتطلبه من مجاهدة النفس وكبح جماحها والتفرغ للخلوات - أو الأربعينيات - التي ينقطع فيها عن العبادة والذكر ولا يقتات إلا بما يمكنه من التعبد وقد يضيف إلى ذلك صيام الوصال، وتنكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسمائها فيتوهم لها معان مجملة غير واضحة، فيتحقق بالمكاشفة المعنى الحقيقي للصوفي الذي لم يبلغه لا بعقل ولا بفهم سطحي للنقل، بل بنور إلهي كشفي، يعطي للأشياء معناها الحقيقي، فلا تثبت الحقيقية لدى هذه الفئة إلا إذا انكشفت بالنور الإلهي، وهو السبيل الوحيد في رأيهم لبلوغ الحقيقة التي لا ريب فيها، والتي لا تظهر دون تلك الرحلة في الحق، بالحق، إلى الحق، فهو يرحل إلى معرفة الله الحق، بالحق أي بالمنهج الذي يمكنه من ذلك، أي منهج المكاشفة مثلما يذكر ذلك أبي حامد الغزالي في كتاب الإحياء، وهو طريق الآخرة، ويقول: "من كان محبا للدنيا أو مصرا هوى، لم يتحقق به، وقد يتحقق بسائر العلوم، وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة"(16).

ولم يكن شعر العفيف كله فلسفة جافة، بل تجارب أخرى وجدانية يجاري فيها، أولئك الذين اشتهروا بالزهد والفناء، والمناجاة، ومستعملا في ذلك الأساليب المعروفة في الشعر الصوفي مثل السكر والخمر استعمالا رمزيا مجازيا إذ يقول(17):

وأشرب الراح حين أشربها صرفا وأصحو بها غما السبب
خمرتها من دمي وعاصرها ذاتي ومن أدمعي لها الحبيب
إن كنت أصحو بشربها فلقد عربد قوم بها وما شربوا
هي النعيم المقيم في خلدي وإن غدت في الكؤوس تلتهب
ويظهر هنا الفرق واضح بين سكر وسكر، فالخمر التي يتحدث عنها شاعرنا لا تعصر إلا في ذاته وهي دمه الذي يسيل في عروقه، وهو يصحو بشربها، خلافا لشارب الخمر الذي يسكر بشربها.

ونقول في الأخير إن المتخيل الصوفي عند شاعرنا يقوم على النظر إلى مظاهر الطبيعة المختلفة في علاقات جديدة وتفاعل تبرز من خلاله الصورة الكبرى، فالعفيف يحسن التأمل الذي يفيض المواهب الصوفية التي تنبع عنده من فيض إلهي، لا يخلو من الآثار التي انطلقت قوية جياشة تحاول أن تفلسف التصوف أو تجمع بين زهد الفلاسفة وزهد العباد.

الهوامش:
1 - علي صافي حسن: الأدب الصوفي في مصر في القرن السابع الهجري، دار المعارف، مصر 1964.
2 - ينظر، د. عمر موسى باشا: العفيف التلمساني شاعر الوحدة المطلقة، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1982، ص 35 وما بعدها.
3 - مصطفى مجاهدي: عفيف الدين العالم الصوفي، جريدة الرأي، عدد 387 ليوم 09-07-1999، الصفحة الثقافية.
4 - هذا التكامل والتناسق دفع بالبعض إلى وصفها بالوحدة المطلقة، تمييزا لها عن النموذجين المعروفين، مثلما ذهب إلى ذلك عمر موسى، ينظر، المرجع السابق.
5 - انظر، د. عمار طالبي: عفيف الدين التلمساني والتجربة الشعرية الميتافيزيقية، مجلة الثقافة، العدد الأول، الجزائر 1971.
6 - ينظر، محمد بن الشاكر الكتبي: فوات الوفيات، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1974.
7 - ابن عربي: فصوص الحكم، دار الكتاب العربي، ط3، بيروت 1980، ص 25.
8 - المصدر نفسه، ص 93.
9 - عفيف الدين التلمساني: الديوان، تحقيق د. العربي دحو، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1994.
10 - هكذا ورد البيت في مقال للأستاذ شهاب الدين يلس، بعنوان: الأديب والفيلسوف عفيف الدين التلمساني، جريدة الجمهورية، عدد 6920، ليوم 09-08-1987، صفحة الحياة الثقافية.
11 - ديوان عفيف الدين التلمساني، ص 40.
12 - ينظر، كتاب نيكلسون: في التصوف الإسلامي وتاريخه، ترجمة أبي علا عفيفي، القاهرة 1947.
13 - ديوان عفيف الدين التلمساني، ص 31.
14 - انظر،
A.-J. Wensinck : La pensée de Ghazali, Paris 1940, p. 9.
15 - جريدة الجمهورية.
16 - أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، الجزء الأول، ص 14.
17 - عفيف الدين التلمساني: الديوان، ص 36.
الإحالة إلى المقال:

* مصطفى مجاهدي: الصوفي والفلسفي في شعر عفيف الدين التلمساني، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع 2005. http://annales.univ-mosta.dz

***