الغيرية أحد مباحث الوجود

د. عبد الإله بن عرفة
جامعة الرباط، المغرب

الملخص:

الغيرية من المباحث الدقيقة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالوجود، ولا يمكن فهم الغيرية فهما صحيحا إلا بوضعها في سياق مبحث الوجود. وتأتي الغيرية في مقابل العينية، وهي كونُ كلّ من الشيئين خلافُ الآخر. كما أنها تأتي بمعنى إيثارُ حبّ الغريب وهي هنا خلاف الأنانية. كان لا بد أن نميز بين هذه الاستعمالات حتى نحيط بمفهوم الغيرية وانصباغه مع المفاهيم الأخرى في بحث للمستحدثات اللغوية، لذا كان لازما لفهم الغيرية من وضع هذه الضوابط، والتمييز بين مختلف الاستعمالات.

الكلمات الدالة:

الوجود، الحب، الغيرية، العينية، الآخر.

***
Otherness is a subject of existence

Abstract:

Otherness is one of the subtle matters that are closely related to existence, and altruism cannot be properly understood except by placing it in the context of the topic of existence. Otherness comes in exchange for kind, which is the fact that each of the two things is different from the other. It also comes in the sense of preferring to love the stranger, and here it is contrary to selfishness. It was necessary to distinguish between these uses in order to surround the concept of nonviolence and dye it with other concepts in a search for linguistic innovations, so it was necessary to understand altruism by setting these controls, and to distinguish between the various uses.

Key words:

existence, love, otherness, kind, other.

***

النص:

إن مبحث الغيرية مبحث دقيق وخطير لأنه أحد متعلقات مبحث الوجود بصفة عامة، ولا يمكن فهم الغيرية فهما صحيحا إلا بوضعها في سياق مبحث الوجود. وقبل أن نلم بذلك لا بد من التعريف بمفهوم الغيرية من حيث اللغة.

إن كتب اللغة تقول أن لفظة "غير" من حروف المعاني، وتكون نعتا وتكون بمعنى لا. كما أن غير تأتي بمعنى سوى. وتكون كذلك بمعنى إلا، أي استثناء كقولك: "هذا درهمٌ غير دانق، أي إلا دانقا. كما تكون "غير" اسما، تقول: مررت بغيرك وهذا غيرك. وفي التنزيل العزيز: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين". وجاءت مخفوضة لأنها نعت للذين.

يترتب على هذا أن لفظة "غير" تعني السوى. والكلمتان تترادفان، يقول الشريف الجرجاني في كتاب التعريفات: "السوى هو الغير وهو الأعيان من حيث تعيناتها". ويقول عبد الرحمن جامي في شرحه للفصوص (ص 51): "وسوى للحق وغيرٌ له فأنت عالم وسوى وغير للحق من حيث التقييد والتعين، وما شاكل هذه الألفاظ أي العالم والسوى والغير".
ويقول أبو الحسن الششتري في إحدى قصائده:

طهر العين بالمدامع سكبا من شهود السوى تزلْ كل عله
وانخلِع عنك يا خليع غرامي لا يكن غير وجهنا لك قبله

وتأتي الغيرية في مقابل العينية، وهي كون كل من الشيئين خلاف الآخر. كما أنها تأتي بمعنى إيثار حب الغريب وهي هنا خلاف الأنانية.

1 - الهوية والغيرية:

فهي حين تقابل العينية فبمعنى أنها تقابل عين الشخص أو الشيء أي هويته لأن الهوية هي حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية العينية، وذلك منسوب إلى هو. فكل ما كان في جانب العينية والهوية والذاتية والوحدة يميل إلى التطابق والمساواة والتماثل. أما ما كان مخالفا للهوية والعينية والذاتية فهو غير وسوى. ومفهوم الغير مفهوم سلبي في صورته لأن كل ما خرج عن الذات صار غيرا أي غريبا، والغريب متهم في غرابته لأنه مجهول، وكل مجهول يخيف. ألا ترى أننا نسمي الكذب والباطل في العربية ببنات غير، لأنهما غير للحق، وغير الحق باطل أي عدم. فالكذب والباطل هو تزييف للحق وإظهار لعدم في صورة وجود. لكن لماذا اشتقت الهوية في العربية من ضمير الغائب المفرد المذكر "هو"؟ أما في اللغات الأوربية، فنرى أن لفظة التماثل هي التي تعبر عن الهوية فنقول (Identité). أي أن الذي يماثل الشخص أو الشيء من صورة ذهنية أو غيرها هي هويته التي ينعت بها ويوصف بها. أما في العربية فإن ضمير الغائب هو الذي ينعت هوية الشخص أو الشيء. لماذا كان هذا الغائب غير الحاضر هو الذي أقيم للتعريف؟

الجواب - والله أعلم - يكمن في كون الضمير الذي يسمى أيضا بضمير الشأن في العربية من أعرف المعارف، بل هو أعرفها، فلا أعظم منه في تحديد المعرفة. إن الهوية هي هذا الشيء الغائب، ومع ذلك فهو أكثر حضورا من غيره. واسمع إلى الشيخ الأكبر يقول في الصلاة الفيضية: "نقطة البسملة الجامعة لما يكون ولما كان، ونقطة الأمر الجوالة بدوائر الأكوان، سر الهوية التي في كل شيء سارية، وعن كل شيء مجردة وعارية". إنها سارية في كل شيء لأنها وجه تعريف كل شيء. وهي عارية عن كل شيء لأنها معارة لذلك الشيء، إذ أنها الغائب والغيب فيه. فالإعارة من الحق لكل شيء، وما ذا أعارنا؟ لا شيء غير الوجود، فتلك هويتنا. فليس لنا الوجود بالأصالة وإنما هو بالنيابة والإعارة. فهويتنا الوجود.

إن الحروف التي تجمع ذلك الضمير هي الهاء والواو. فالهاء أدخل حرف في الجوف، فهي تخرج من أقصى الحلق. أما الواو فإنها تخرج من آخر مخرج وهو الشفتين. فكلا الحرفين باطن وظاهر وأول وآخر، أي أنهما جمعا خصائص جميع الحروف. فالهاء من عالم الغيب، والواو من عالم الشهادة. وهوية الشخص كذلك جامعة لهذا الغيب وتلك الشهادة، فهي حاضرة غائبة. ومن باب الإشارة، فإن الهاء تدل على الحفظ لها ولغيرها. أما الواو فإنها تدل على الحفظ الذاتي فقط. والهوية حفظ مزدوج. وذكر الهو عند الصوفية من أعظم الأذكار. يقول تعالى "هو الله الذي لا إله إلا هو" فبدأ بمثل ما به ختم. بدأ بالهوية وختم بها. فالهو الأولى غير الثانية، فالأولى هي هوية الله العارية عن كل شيء، لأن الله كان ولا شيء معه. والثانية هي هويته السارية في كل شيء، وهو الآن على ما عليه كان.

2 - الغير والسوى:

فالذي يقف إزاء الهوية والعينية والإنية والذاتية هو الغيرية لأنها سوى لها. قد تأتي كلمة الغير بالجمع فنقول الأغيار. أما السوى فتأتي مفردة وإن كان لها جمع وهو أسواء. والفرق بين سوى وغير هو أن سوى لها معنيان، فهي تكون بمعنى نفس الشيء، وتكون بمعنى غير. ففي المعنى الثاني ترادف كلمة غير، ومن هنا استعمالاتها بنفس المعنى. أما بالمعنى الأول، أي حين تكون سوى تدل على نفس الشيء فإنها تقترب من معنى الهوية التي قلنا أنها مبنية على التماثل. لذا نقول سِي الشيء أي مثله، والسيان المثلان. والمثل في العربية غير النظير والشبيه. فالمثيل هو المساوي في جميع الوجوه، والشبيه هو المساوي في أغلب الوجوه؛ أما النظير فهو المساوي في بعض الوجوه.

3 - الغيرة دافعة للغيرية:

إن مفهوم الغيرية له علاقة بمفهوم الغيرة. فالغيرة هي كراهة شركة الغير في حقه. لذا كانت الغيرة نوعا من التوحيد أو التوحد لأنها ترفض الشركة والإشراك. وقد ورد في بعض الآثار "اقتلوا من لا غيرة له" أي اقتلوا المشرك غير الموحد. وثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن سعدا لغيور وأنا أغير منه والله أغير منا". ومعنى أن الله غيور أي أنه لا يحب أن ينكشف السر الذي بينه وبين عبده. أو أن ذلك بمعنى أنه يمنع أن يحب غيره أو يعبد من دونه. أي يجب إفراده بالمحبة والعبادة. إن الرب غيور فإذا ظهر حكم غيرته بطل ظهور الغير والغيرية. أو نقول إذا ظهر سلطان الغيرة سقط برهان الغيرية. فالغيرة دافعة للغيرية. والغيرة تستدعي المغاير ولا غير على الحقيقة إلا أعيان الممكنات من حيث ثبوتها لا من حيث وجودها. ومعنى أن الغيرة تطلب الغير كون الرب مثلا يطلب المربوب، والقادر يطلب المقدور والإله يطلب المألوه لتظهر أحكام الأسماء الإلهية. ومن غيرة الحق أنه غار أن تكون أوصافه نعوتا لغيره "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحدا منهما قصمته". والحديث له عدة روايات.

وقد يأتي مفهوم الغير أو الغيرية كمرادف لضمير المخاطب "أنت". يقول الحاتمي في فصوص الحكم، (ص 126): "والغيرة ساترة للحقيقة لأنها من الغير، والغير أنت". ومعنى ذلك أن الغيرة، وهو يستعملها كمرادف للغير والغيرية، حجاب على حقيقة الوجود. فالغير، أي أنت أيها المخلوق حجاب وستر على الوجود القديم. فأنت الوجود الظاهر الذي احتجب به الوجود القديم. وليس لك أيها الغير وجود مستقل عن وجوده.

إن هذه الضمائر في العربية يمكن أن نصنفها صنفين. فالأنا والهو في مقابل الغير والأنت. أي أن ضميري المتكلم والغائب اللذان يشيران إلى الأنية والذاتية والهوية في مقابل ضمير المخاطب والغير الذي هو مخاطب مجهول. والأنية هي وصف إلهي بهذا المعنى، وقد يتوهم المخلوق أن له إنية فتكون إذ ذاك حاجبا له عن إدراك الخالق. يقول الحسين بن منصور الحلاج الذي أضناه حجاب الإنية:

بيني وبينك إني ينازعني فارفع بفضلك إنِني من البين
أما الششتري، فقد قال لما سمع مقرئا يقرأ: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني":
انظر للفظ أنا يا مغرما فيه من حيث نظرتنا لعل تدريه
خل ادخارك لا تفخرْ بعارية لا يستعير فقير من مواليه
جسوم أحرفه للسر حاملة إن شئت تعرفه جرب معانيه
حيث يؤكد على حقيقة الفقر من الإنية التي هي وصف للغني أظهرها لما تجلى للجبل فخر موسى صعقا.

كان لا بد أن نميز بين هذه الاستعمالات حتى نحيط بمفهموم الغيرية وانصباغه مع المفاهيم الأخرى في بحث للمستحدثات اللغوية، لذا كان لازما لفهم الغيرية من وضع هذه الضوابط، والتمييز بين مختلف الاستعمالات.

4 - فماذا نفهم من التراث الروحي والغيرية؟

هل الواو عاطفة تدل على مطلق الجمع بين هذين المتضايفين، أعني التراث الروحي والغيرية؟ أم أنها من باب عطف العام على الخاص أو العكس؟ أو عطف الشيء على مرادفه، أو عطف المقدم على متبوعه للضرورة؟ فما هو وجه الشبه بين هذين المتضايفين إذن؟ وما هو الجامع بينهما؟

يظهر لي أن المقصود هو مفهوم الغيرية في التراث الروحي، أي كيف تتعامل مختلف المشارب الروحية مع مفهوم الغير كمرادف للآخر؟ وعلى هذا الأساس يكون معنى الغير والغيرية هو مفهوم مرادف للآخر كيفما كان ذلك الآخر. وهذا مفهوم أضيف إلى المفاهيم الأخرى التي ذكرنا كالإنية والأنتية والهوية والذاتية والسوى والعالم. فالواو بمعنى "في"، فهي من باب عطف الخاص على العام لأن التراث الروحي في كل حضارة له تصور عن الغير وغير الغير. فنحن بصدد البحث عن كيفية تعامل كل تراث روحي مع الغير أو الآخر. الآخر هو أحد الشخصين أو الشيئين، ويكونان من جنس واحد. قال المتنبي:

ودع كل صوت غير صوتي فإنني أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
ويأتي بمعنى الغير كقول امرئ القيس:
إذا قلت هذا صاحبٌ قد رضيته وقرتْ به العينان بدلت أخرا

وفي الآخر معنى الأخوة، أي المثلية غير التامة، من لفظة أخ. إلا أنها أخوة تأخرت إما زمانا أو مكانا أو وجودا. فكل من تآخى تأخر، فظهر الفرق بين الأخ وأخيه. وكلما ابتعد الأخ وتأخر صار أخرا.

ويحضرني عنوان لكتاب أسال كثيرا من المداد في وقته للدكتور محمد عابد الجابري تحت عنوان "نحن والتراث". وكثيرا ما أغاضني ذلك العنوان، بل الواو الرابطة بين طرفي جملة العنوان. وكنت أقول وقتها ليته أزال الواو كلية حتى يصير عنوان الكتاب "نحن التراث"، بمعنى أن التراث هو هويتنا ما دام أنه يشمل كل الحمولة الحضارية. فإذا ما عدم عدمت الهوية إطلاقا. أما العنوان "نحن والتراث" فإنه يضع تقابلا بين شيئين ليسا في حقيقة الأمر إلا شيئا واحدا باعتبارين مختلفين ونسبتين مختلفتين. وما أشبه ذلك العنوان بعنوان ملتقانا، "التراث الروحي والغيرية"، أي نحن كحملة لهذا التراث الروحي؛ والغير كآخر لنا، كيف يرانا؟ وكيف يتعامل كل غير مع غيره؟

بعد هذه التوطئة الضرورية لفهم الغيرية، يظهر أن الغير والغيرية يقصد منه الآخر الذي هو من نفس الجنس. وما نريد أن نلم به في موضوعنا هو الغير، ليس كمقابل للقديم لأنه ليس كذلك؛ بل كتعين من تعيناته، إذ لا وجود للغير مع العين. لا وجود للسوى مع الذات، لا وجود للعالم مع الله، فلا تقنع بسواه. وموضوعنا يندرج تحت مبحث الوجود كما أسلفنا.

إن للوجود من حيث هو مرتبتين: الأولى مرتبة بطون؛ والثانية مرتبة ظهور. والأولى أي مرتبة البطون تنقسم كذلك إلى مرتبتين: الأولى منهما مرتبة الذات البحت والهوية الصرفة والوجود المحض والمطلق عن كل قيد حتى عن قيد الإطلاق. فلا وصف ولا رسم ولا اسم ولا نعت، بل إن هذه المرتبة هي اعتبارية فقط. ولا تتعقل الذات فيها إلا بتجردها عن جميع القيود والنسب والاعتبارات والإضافات. وتسمى هذه المرتبة بالهو أو الله في أحد إطلاقاته الثلاثة. فالإطلاق الأول هو على الذات في صرافتها وتجردها عن جميع القيود والعلائق. والإطلاق الثاني هو على مرتبة الألوهية في جمعيتها لنسب الصفات والأسماء والأفعال. وبعبارة هي نسبة كونه تعالى إلها يطلب مألوها. أما الإطلاق الثالث فهو انصرافه وإطلاقه على كل اسم إلهي آخر. فحين يقول المريض يا الله، فإنه في حقيقة الأمر كما لو قال: يا شافي وهكذا في غيره من الأسماء الأخرى.

وتسمى المرتبة الأولى من مراتب البطون بأسماء كثيرة عند الحكماء الإلهيين. ومن ذلك مرتبة جمع الجمع والغيب المطلق وغيب الهوية وحضرة الطمس وبحر العمى وحضرة العمى والعمى الذاتي والبطون الذاتي والبطون الأكبر لأنه ليس لها صورة تتعقل ولا كم ولا كيف ولا لها مكان ولا زمان ولا يلحقها تقديم ولا تأخير ولا يتوهم معها وجود غير ولا غيرية. فلا اسم يسمها ولا وصف ينعتها ولا حد يقيدها. فلا امتياز فيها لأحدية ولا كثرة لانطماس الجميع في بحر الذات وعدم ظهور أي شيء أصلا. لذا ذهب البعض إلى أن الأسماء كلها أسماء صفات حتى اسم الله والرحمن، بالنظر إلى هذه الحضرة التي لا تحد ولا تنعت ولا توصف. وليس للمخلوق في هذه الحضرة التي هي حضرة الحضرات وحقيقة الحقائق أي نصيب بأي وجه كان. فهي مرتبة الكنه الذي لا يطلع عليه أحد سوى الحق تبارك وتعالى. ومن هذه الحضرة قالوا: لا يعرف الله إلا الله، ولا يعلم هو إلا هو. وفيها يتجلى الحق على ذاته بذاته من ذاته لذاته. فهي حضرة الغنى المطلق لأنه مستغن بظهوره لذاته.

والمرتبة الثانية من مراتب البطون هي مرتبة الأحدية المطلقة، وهي مرتبة اعتبار الذات وتجردها عن جميع النسب والقيود والإضافات إلا عن نسبة الأحدية عن الكثرة والغيرية. فإن الذات عند تجليها لذاتها ظهرت بتلك الأحدية، فأظهرت انفرادها بالوجود. فهذه المرتبة هي نفسها مرتبة الذات البحت في محو جميع النسب والإضافات والغير والغيرية إلا أن حكمها نزل عن السذاجة المحضة بنسبة الأحدية التي هي أول نسبة على الإطلاق.

ويطلق على الذات في هذه النسبة لفظ "الأحد" الذي هو اسم للموجود الذي ليس لغيره معه وجود. ولا يتجلى الحق تعالى بالأحدية لغيره إطلاقا. فما للخلق فيها من ملك ورسول ونبي وولي إلا الإيمان بالغيب. فإن خواص المقربين لما أشرفوا على بلاد الذات، ووصلوا بالكشف إلى التعين الأول عرفوا أن وراءه شيئا لا يعرف منه إلا وجوده لا غير فآمنوا بذلك ووقفوا عند كل حد محدود. ومرتبة أحدية الذات هي أول تنزلات الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي. والتجلي نوعان: تجلي الإطلاق وهو كل ما أشعر بعدم وجود الغير والسوى والعالم، وهو المشار إليه ب. "كان الله ولا شيء معه". ويقابله تجلي التقييد، وهو كل ما أشعر بوجود العبد مع الرب. يقول الحاتمي في الصلاة الفيضية: "اللهم أفض صلة صلواتك وسلامة تسليماتك على أول التعينات المفاضة من العماء الرباني وآخر التنزلات المضافة إلى النوع الإنساني، المهاجر من مكة كان الله ولم يكن معه شيء ثاني إلى مدينة وهو الآن على ما عليه كان" يشير بذلك إلى تنزل التجليات والإفاضات من بلاد الذات التي يشير إليها بمكة إلى بلاد الصفات التي يرمز لها بالمدينة.

وعليه فلقد بان أن الله تعالى من حين أظهر الخلق ما تجلى لهم قط في مرتبة البطون والإطلاق لأن هذه المرتبة تنفي وجود الغير والغيرية معها. أما بعد إيجادهم وإخراجهم من ظلمة العماء، فلم يتجل عليهم إلا في مرتبة التقييد.

أما المرتبة الثانية من مراتب الوجود فهي مرتبة الظهور والتعين والتقييد، ومراتبها غير متناهية، وتنحصر كلياتها في خمسة وتسمى بأسماء كثيرة منها: الحضرات الإلهية الخمس أو المراتب الكلية أو المجالي الكلية ومراتب التجليات والمطالع والمنصات. وهنا يظهر سلطان الغير والغيرية.

لم ترد لفظة الغيرية إلا مرة واحدة في الفتوحات المكية. أما لفظ السوى بالتعريف، فقد ورد مرتين، وذلك في الباب 73 حين جوابه عن السؤال 153 من أسئلة الحكيم الترمذي، يقول: "فإن قلت وما الجسد؟ قلنا كل روح أو معنى ظهر في جسم نوري أو عنصري حتى يشهده السوى، فإن قلت وما السوى هنا؟ قلنا الغير الذي يتعشق بالمنصات، فإن قلت وما المنصة؟ قلنا مجلى الأعراس وهي تجليات روحانية إلية". وقد قلنا إن المنصات هي اسم آخر للحضرات الإلهية الخمس، وهي حضرات يتجلى فيها الحق على غيره. فما هي هذه الحضرات إذن؟

يقول داود القيصري في رسائله: "وأول الحضرات الكلية حضرة الغيب المطلق، وعالمها عالم الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية. وفي مقابلتها حضرة الشهادة المطلقة، وعالمها عالم الملك. وحضرة الغيب المضاف، وهي تنقسم إلى ما يكون أقرب من الغيب المطلق وعالمه عالم الأرواح الجبروتية والملكوتية؛ أعني عالم العقول والنفوس المجردة. وإلى ما يكون أقرب من الشهادة وعالمه عالم المثال. وإنما انقسم الغيب المضاف إلى قسمين، لأن للأرواح صورا مثالية مناسبة لعالم الشهادة المطلق؛ وصورا عقلية مجردة مناسبة للغيب المطلق. والخامسة الحضرة الجامعة للأربعة المذكورة، وعالمها العالم الإنساني الجامع لجميع العوالم وما فيها. فعالم الملك مظهر عالم الملكوت، وهو العالم المثالي المطلق، وهو مظهر عالم الجبروت، أي عالم المجردات، وهو مظهر الأعيان الثابتة، وهو مظهر الأسماء الإلهية" (ص 62).

إن اعتبار الغير والغيرية في مبحث الوجود لا يتعقل إلا في تجلي التقييد لا تجلي الإطلاق، إذ ليس مع الحق غيره في تلك المرتبة. فلا غير ولا غيرية في مرتبة بطون الذات. وعند تجلي الحق في مرتبة الظهور تشم رائحة الغير والسوى. يقول الحاتمي في آخر الباب 223 من الفتوحات، لقد "ظهرت الحدود وتميزت مراتب الأعيان في وجود الحق فقيل أملاك وأفلاك وعناصر ومولدات وأجناس وأنواع وأشخاص وعين الوجود واحد والأحكام مختلفة لاختلاف الأعيان الثابتة التي هي أغيار بلا شك في الثبوت لا في الوجود".

فلا كلام عن الغير والغيرية والأغيار في مبحث الوجود إلا حين الحديث عن ثبوتية الأعيان في الحضرة العلمية. أما الوجود فواحد لا غيرية فيه، فهو القائم على كل نفس بما كسبت، لذا وجب تنزيه الوجود عن الغير والسوى بالطهارة الأصلية، وهو ما أشار إليه أبو الحسن الششتري في الأبيات التي ذكرنا قبل. أي طهر عين الوجود الفائضة على كل موجود من شهود غيرها. فما قام الغير إلا بها. وحين تصل إلى هذه الحقيقة تزول عنك علة الأسباب التي تربط المسببات ببعضها، فتتوهم أن لها وجودا مع الوجود الحق. إن الغير والغيرية بهذا المعنى تختلف عن استعمالنا المعاصر لها. فهي عندنا تطلق على كل آخر خارج عن ذاتنا. أما عند الصوفية وأصحاب مباحث الوجود فهي تطلق كتعين من تعينات الحق، فهي رديف للسوى والعالم، ومن ضمنه الإنسان.

بعد هذه الجولة في مبحث الوجود وكيفية اندراج الغيرية فيه اندراجا اعتباريا فقط، يمكننا أن نقول في ختام هذا البحث أن الغير لا وجود له من حيث عين الوجود، وإنما توهمْنا وجوده مع أنه مفتقر في كل شيء لمولاه. ونفس الشيء يمكن أن نقوله لكل غير مع غيره. فباعتبار الوجود، فالذوات متحدة. وافتقارها لبعضها هو عين افتقارها لمولاها. فأين هويتها إذن؟ هذه الهوية التي تجعلها تبني الجسور والحواجز لتنعم بجهالة الضيق عن قلق الوسع. لو تركت جانبا هذه الهوية الضيقة المترعة بحقد الأغيار لسعدت بهوية الوجود المفاض عليها من رب الوجود. وكما يقول ابن عطاء الله في حكمه "لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرْفع إلى غيره ما كان هو له واضعا".

المصادر:
1 - محي الدين بن العربي: الفتوحات المكية، دار الفكر، بيروت 1994.
2 - محي الدين بن العربي: فصوص الحكم، دار الكتاب العربي، بيروت 1980.
3 - عبد الغني النابلسي: شرح جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص، مصر 1304هـ.
4 - ملا عبد الرحمن جامي: شرح فصوص الحكم، مطبعة الزمان، مصر 1304هـ.
5 - داود القيصري: الرسائل، تحقيق محمد باير اقدار، قيصري، تركيا 1997.
6 - محمد بن جعفر الكتاني: جلاء القلوب من الأصداء الغينية ببيان إحاطة، طبعة حجرية، فاس.
7 - محمد الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، بيروت 1990.
8 - أبو الحسن الششتري: الديوان، تحقيق د. علي سامي النشار، منشأة المعارف، الإسكندرية 1958.
9 - محمد الحراق: الديوان، منشورات جمعية تطاون أسمير، المغرب 1996.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد الإله بن عرفة: الغيرية أحد مباحث الوجود، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع 2005. http://annales.univ-mosta.dz

***