في هوية الشعر العباسي

امحمد يقوته نور
جامعة مستغانم، الجزائر

ثمة علاقة جدلية بين اللغة والأدب، فهي تتطور بتطوره، وتغنى بغنائه، أو تجمد وتتحنط بجموده وتقوقعه على نفسه حيال تطور معارف الإنسان الأخرىِِِ؛ ذلك "أن اللغة مادة الأدب، مثلما أن الحجر والبرونز مادة النحت، والألوان مادة الرسم، والأصوات مادة الموسيقى، غير أن على المرء أن يتحقق من أن اللغة ليست مجرد مادة هامدة كالحجر، وإنما هي ذاتها من إبداع الإنسان، ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي لكل مجموعة لغوية"(1).
والعرب، كإحدى أقدم الجماعات البشرية، أحسوا، منذ العصر الجاهلي، بهويتهم المتميزة من الأمم الأخرى، والمتمثلة في اللغة العربية كعامل وحدة وتواصل في ما بينهم، وعامل إقصاء للآخر، لأنه أعجمي لا يفصح ولا يبين في رأيهم. وازداد تعلقهم بلغتهم، لم عانوا العملية الشعرية قرونا طويلة وهم في عزلتهم في صحرائهم، حتى استقام لهم الشعر، واستقر لديهم السنن الشعري ألفاظا ومعاني وصورا وأوزانا وقصيدا، وتمثل، بوضوح، في قصائد القرن السادس الميلادي التي وصلتنا.
وقد أودع العرب هذا الشعر عاداتهم ومآثرهم وأيامهم، وجسدوا فيه أحوالهم الاجتماعية والعقلية. وإلى هذا المعنى، أشار ابن سلام الجمحي (ت 231 هـ) حين قال: "وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون وإليه يصيرون"(2). ولعل شغف العرب بالشعر وسلطانه على حياتهم ميزة عرفوا بها بين الأمم القديمة التي جاورتهم؛ فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر الشعر فسأل كعب الأحبار: "يا كعب، هل تجد للشعراء ذكرا في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل (عليه السلام)، أناجيلهم في صدورهم، ينطقون بالحكمة، ويضربون الأمثال، ل نعلمهم إلا العرب"(3). فلا عجب، بعد هذا، من أن اعتز عرب الجاهلية بتراثهم الشعري، ورأوا فيه آية بيانهم، وترجمانا للسانهم العربي، كما عدوه منجزهم الحضاري الذي يغنيهم عن التأثر بحضارة الفرس أو حضارة الروم، بعد أن استمرءوا العيش على هامش الحضارة.
ثم جاء الإسلام، وأصبح القرآن الكريم دستور حياة العرب الجديدة؛ فدعاهم إلى التوحيد والوحدة، وإلى إصلاح حاضرهم لأجل الاضطلاع بمهمة نشر تعاليم الدين الجديد في بقاع الأرض كلها، كما علمهم أدبيات الحوار والتعامل مع الآخر لتحقيق الأخوة في الدين، ولأجل التعايش وتبادل المنافع في ظل المساواة والاحترام المتبادل. غير أن الإسلام لم يجرد العرب من ماضيهم كله، فقد أبقى على كل مكرمة لا تتنافى وتعاليمه. وقد رسخ في يقين النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم أنه "لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين"(4). وقد اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نزال شعري مستمر بين شعراء الدعوة الإسلامية وشعراء المشركين والكفار. وتنامت الحاجة، بعد ذلك، إلى هذ الشعر العربي، إذ أثر أن ابن عباس رضي الله عنه كان يقول: "إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوانه العرب. وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعرا"(5).
وهكذا كتب للغة العربية عمر طويل، بعد أن عضدها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فأصبحت لغة مقدسة إلى جانب كونها لغة الشعر، ثم صارت لغة رسمية - بتعبير الدساتير اليوم - بعد أن قام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (ت 86 هـ) بتعريب الدواوين وصك العملة العربية الإسلامية في مواجهة العملة الرومية البيزنطية. وبات لزاما على الداخل في الإسلام أن يتعلم العربية ويتقنها لأنها لغة العبادة، ولغة دولة الخلافة، ولغة الأدب والعلم، ولغة التواصل اليومي.
وقد وجدنا اللغويين والنحاة والشعراء الحضريين يرحلون إلى البادية منذ أوائل القرن الثاني الهجري، حيث القبائل العربية المنعزلة، أو يختلفون إلى سوق المربد ليستمعوا إلى الأعراب الأقحاح الذين كانوا ما يزالون يحافظون على لغة العصر الجاهلي وأشعار شعرائه. فحتى تبقى اللغة عربية صحيحة فصيحة، "يجب أن تضم لغة العرب وحدهم، لغة أولئك الذين اعترف لهم وحدهم عصر التدوين بصفاء الهوية العربية وأصالتها"(6).
ويبدو أن الشعر ظل عربيا صميما في شكله وفي مضمونه حتى نهاية العصر الأموي، على الرغم من انتشار الإسلام في بقاع كثيرة من العالم، واختلاط العرب بالأمم الأخرى. وكأن هذا الشعر ظل محظورا على الآخر لعائق عجمة اللسان. ولما آل الأمر إلى الخلافة العباسية، انتقل العرب الفاتحون من طور التأثير في الآخر بنشر عقيدة الإسلام وشريعته في البلاد المفتوحة، إلى طور الانفتاح والتأثر بما يمتلكه الآخر من تراث عريق ومتنوع، لأجل البناء الحضاري المأمول، وأحس الآخر بأهمية دوره في العهد الجديد، وبضرورة ألا يبقى على الهامش، وان يحقق لنفسه الاندماج التام في هذ المجتمع العباسي المتعدد الأعراق والثقافات، منتسبا إلى الإسلام عقيدة وعملا، ومتخذا اللسان العربي لغة مشتركة جامعة. وبات المجال مفتوحا للعربي وللآخر على قدم المساواة، لأجل التنافس في استيعاب التراث العربي والإسلامي السابق، وتراث اليونان والفرس والهنود المترجم إلى العربية من الفلسفة والعلوم والآداب، ثم الانتقال إلى مرحلة الإضافة والابتكار والإبداع.
وانطلق الشاعر العربي والآخر الشاعر في الإبداع الشعري مرتكزين على ثقافة العصر ومتطلباته، غير مقتصرين على الموروث الشعري القديم. واحتاج الآخر الشاعر- في كل مرة - إلى إثبات تمكنه الشعري لقناعة قرت لدى العربي أن الشعر صناعة عربية خالصة غير قابلة للتقليد؛ فهذا بشار بن برد (ت 167 هـ) يستهين به أحد الأعراب، فيسأل الجالسين عند مجزأة بن ثور السدوسي عن بشار وعليه بزة الشعراء: "من الرجل؟ فقالوا: رجل شاعر، فقال: أمولى هو أم عربي؟ قالوا: بل مولى، فقال الأعرابي: وما للموالي وللشعر!"(7)، فيغضب بشار لكرامته ولمكانته، فينشئ مفتخرا بانتمائه الفارسي، ومزريا بالأعراب وعيشهم القاسي في القفار، يقول(8):
أعاذل لا أنام على اقتسار *** ولا ألقى على مولى وجار
سأخبر فاخر الأعراب عني *** وعنه حين بارز للفخار
ويواجه بشار تحديا شعريا آخر، هذه المرة من قبل عقبة بن رؤية بن العجاج، وهم أشهر رجاز العصر الأموي، والذي يفتخر عليه بأنه شاعر ابن شاعر ابن شاعر، وأنه هو وأبوه فتحا للناس باب الغريب وباب الرجز، وهو طراز لا يحسنه، فيرد عليه بشار: أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك. ثم يعود في الغد إلى مجلس عقبة بن سلم وعنده عقبة بن رؤية، فينشده أرجوزته التي مدحه فيها(9):
يا طلل الحي بذات الصمد *** بالله حدث: كيف كنت بعدي
الحر يوصى والعصا للعبد *** وليس للملحف مثل الرد
وكان من الطبيعي أن ينتقل الآخر الشاعر بشعره من مرحلة التقليد إلى مرحلة التجديد، أي من طور التمكن الشعري إلى طور التحدي الشعري للتقاليد الشعرية القديمة. فقد نجم أبو نواس الحسن بن هانئ (ت 199 هـ)، وأعلن للناس أنه على غير تقليدهم واتباعهم للأقدمين، وأن التقليد لا يلبي حاجات العصر، وأن اتباع الصورة التقليدية للقصيدة القديمة بمقدمتها الطللية وغرضها، لم يعد شيئا يتلاءم مع الحياة الجديدة، وأصبح الوقوف على الطلل، والحديث عن الناقة والوحوش في الصحراء نغمة ناشزا وسط القيان والعود ومجالس اللهو والشراب؛ بل صار هذا التقليد قيدا على الشعراء يعد عليهم أنفاسهم، ويجردهم من ذاتيتهم. فدعا إلى التحرر من الاتباع الفني للشعر الجاهلي، فقال(10):
صفة الطلول بلاغة القدم *** فاجعل صفاتك لابنة الكرم
وصديقة الروح التي حجبت *** عن ناظريك، وقيم الجسم
ولا عجب أن يسفه أبو نواس عقول الواقفين على الأطلال من قديم، ويسخر من عيشهم الجديب؛ فقد عشق الخمرة صديقة روحه ورمز الرفاهية في رأيه، وأضفى عليها أحسن الصفات، ونزهها أن يشربها من ليس من مقامها، كما استعان بشربها على صنع الشعر. وهو - في هذا كله - يمثل أحد الأفراد البارزين من الشعراء والكتاب الذين انغمسوا في تيار المجون والشذوذ الذي ساد المجتمع العباسي مبكرا(11)، في مرحلة من حياة الدولة العربية الإسلامية التي كانت تتلمس طريق الحضارة بخطى ثابتة. قال أبو نواس(12):
أثن على الخمر بآلائها *** وسمها أحسن أسمائه
دارت فأحيت غير مذمومة *** نفوس حسراها وأنضائه
ولعل الغيورين من العلماء والخلفاء على تعاليم الإسلام وعلى الشعر العربي من أن يتحول إلى شعر خمر وغناء ولهو وترف، قد وقفوا في وجه هذا التيار الجارف الذي لم يسلم أفراده من الانتماء إلى حركة الشعوبية الفارسية المناوئة للعرب، ومن الانضواء في جملة الزنادقة ذوي العقائد الفاسدة المارقة من الدين. فقد أراد الخلفاء العباسيون أن ينافسوا الخلفاء الأمويين قبلهم في حفظ الشعر القديم، وفي تقريب رواته ومحبيه من الشعراء؛ فقد قرب الخليفة أبو جعفر المنصور (ت 158 هـ) المفضل الضبي وعهد إليه بتأديب ولي عهده المهدي (ت 169 هـ)، كما جعل الخليفة هارون الرشيد (ت 193 هـ) الأصمعي في صحبته. فكان أن صنفت - في النصف الثاني من القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين - مؤلفات جمعت أشعار الجاهليين والإسلاميين. فظهرت "السبع الطوال" لحماد بن ميسرة (ت 156 هـ)، و"المفضليات" للمفضل محمد بن يعلى الضبي الكوفي (ت 168 هـ)، و"الأصمعيات" للأصمعي أبي سعيد عبد الملك بن قريب (ت 216 هـ)، و"جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي (ت 214 هـ)، وجمع أبو عمرو الشيباني (ت 206 هـ) أشعار القبائل العربية كل قبيلة في كتاب مستقل. كما قام الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 هـ) بوضع علم العروض بعد استقرائه الشعر العربي منذ العصر الجاهلي.
ولم يفت الأصمعي - وهو أحد سدنة كعبة الشعر القديم - أن يقدم توجيهاته إلى من أراد أن يبرز في الشعـر من معاصريه الشعراء المحدثين، فقال: "لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ. وأول ذلك أن يعلم العروض ليكون ميزانا له على قوله، والنحو ليصلح به لسانه وليقيم به إعرابه، والنسب وأيام العرب، ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب، وذكرها بمدح أو ذم"(13). وزاد ابن رشيق القيرواني (ت 456 هـ) إلى ثقافة الشاعر، وبين أهمية الشعر كشاهد ورابط للخلف بالسلف، فقال: "والشاعر مأخوذ بكل علم، مطلوب بكل مكرمة، لاتساع الشعر واحتماله كل ما حمل: من نحو، ولغة، وفقه، وخبر، وحساب، وفريضة، واحتياج أكثر هذه العلوم إلى شهادته، وهو مكتف بذاته، مستغن عما سواه، ولأنه قيد للأخبار، وتجديد للآثار"(14).
ويبدو أن بعض الشعراء المحدثين كانوا يملكون من الذكاء والاستعداد الفطري ما مكنهم من تحصيل أغلب ما وجد في عصرهم من شعر وأدب وعلم وفقه حتى يرضوا الذوق العام ويرضو أنفسهم معا. فقد "كان أبو نواس عالما فقيها، عارفا بالأحكام والفتيا، بصير بالاختلاف، صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه. وقد تأدب بالبصرة، وهي يومئذ أكثر بلاد الله علما وفقها وأدبا، وكان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدثين"(15).
على أن الشاعر المحدث لم يرد أن يبقى أسير الاحتذاء، بل كانت نفسه وثراء الحياة الاجتماعية والثقافية في عصره، ينزعان به إلى التجديد في الألفاظ وفي المعاني وفي الصياغة الشعرية، مهما كلفه ذلك من جهد وسهر على تجويد صنعته. فكان مسلم بن الوليد (ت 208 هـ) "أول من تكلف البديع من المولدين، وأخذ نفسه بالصنعة، وأكثر منها، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم صريع الغواني إلا النبذ اليسيرة، وهو زهير المولدين؛ كان يبطئ في صنعته ويجيدها"(16). ومن بديع ما مدح به مسلم القائد العربي يزيد بن مزيد الشيباني قوله(17):
موف على مهج في يوم ذي رهج *** كأنه أجل يسعى إلى أمل
يكسو السيوف دماء الناكثين به *** ويجعل الهام تيجان القنا الذبل
ونجد أبا عثمان عمر بن بحر الجاحظ (ت 255 هـ)، وهو من أنصار الصياغة الشعرية، ل يملك نفسه أمام جماليات هذا البديع الذي ميز عصره، فيصرح في شيء من المبالغة أن هذ الفن "مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على لسان. والراعي كثير البديع في شعره، وبشار حسن البديع، والعتابي يذهب في شعره في البديع مذهب بشار"(18). وفي السياق نفسه، يمضي عبد الله بن المعتز(ت 296 هـ) في إثبات أن البديع الذي شغف به الشعراء المحدثون صناعة عربية محض، بما أن العرب عرفته في جاهليته وإسلامها معرفة ممارسة فنية، وإن لم تعرفه معرفة علمية اصطلاحية. وبعد استقراء دقيق للتراث العربي منظومه ومنثوره، أبان ابن المعتز في صدر مقدمة كتابه "البديع" عن غايته فقال: "قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشارا ومسلما وأبا نواس ومن تقيلهم (حاكاهم)، وسلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم، فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه. ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه، وتفرع فيه، وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف. وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفن البيت والبيتين في القصيدة، وربما قرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع، وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى نادرا، ويزداد حظوة بين الكلام المرسل"(19).
إذن، ظهر مذهب التصنيع أو البديع - بوضوح - عند مسلم بن الوليد، حتى جاء أبو تمام الطائي (ت 231 هـ) فبالغ فيه مبالغة شديدة أدت إلى إفساد المعاني أحيانا وتعمية المضامين في كثير من شعره. فلقد زاوج أبو تمام بين الطباق والجناس والتصوير والمشاكلة وبين الفلسفة وألوان الثقافة الوافدة؛ ذلك أن مذهب التصنيع يعتمد على العقل والتأمل الفلسفي، مما أثار ضده العلماء والأدباء والنقاد الذين تعودوا مطبوع الشعر والمعاني المكشوفة التي تفهم دون عناء، فتحصل اللذة من الشعر. وهكذا انقسم الناس إلى فريقين: أنصار أبي تمام، وهم أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام كابن جني (ت 392 هـ) الذي قال: "المولدون يستشهد بهم في المعاني، كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ"(20). وفي المقابل كان أنصار أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري الطائي (ت 284 هـ)، تلميذ أبي تمام، هم الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة.
ووسط هذا الجدال العنيف بين الطرفين، ظهر كتاب نقدي رائد في "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" لصاحبه الحسن بن بشر الآمدي (ت 371 هـ)، والذي حاول - على الرغم من إيثاره الشعر المطبوع على الشعر المصنوع وتمسكه الشديد بالنهج القديم - التوفيق بين أنصار الطرفين؛ ففي حين كان راضيا الرضا كله على طريقة البحتري الشاعر المطبوع الذي ينظم شعره على طريقة الأوائل، تأرجح موقفه بين الإعجاب بما وفق إليه أبو تمام من لطيف المعاني حينا، واستهجان طريقته في استكراه الألفاظ والمعاني للوصول إلى الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة في أحيان كثيرة"(21).
وقد رأى الآمدي أنه مادام جمهور الشعر لم يتفق على أي الشاعرين أشعر، كما لم يتفقو على أحد من شعراء الجاهلية والإسلام والمتأخرين، فالأسلم هو الاتفاق على طريقة العرب الخاصة أو عمود الشعر المعروف،تقاس علية أشعار الشعراء، ذلك أن "دقيق المعاني موجود في كل أمة وفي كل لغة. وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه؛ فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري(22).
وترسيخا لطريقة العرب في الأذهان، لا يكاد علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت 396 هـ) يخرج، في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه"، عما أقره الآمدي قبله، مع زيادة توضيح لبعض الخصائص وزهد في ما شغف أبو تمام وأمثاله بتصنعه من بديع، يقول: "وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن، بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته. ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة، إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض"(23).
ويبدو القاضي الجرجاني - من خلال تحديده هذه الشروط - ميالا إلى نهج الشاعر الجاهلي المطبوع البعيد عن تعمد الصنعة وطلب التجنيس والطباق والاستعارة، كما طلبها أبو تمام في هذه المقدمة الغزلية حيث قال(24):
دعني وشرب الهوى يا شارب الكاس *** فإنني للذي حسيته حاسي
لا يوحشنك ما استعجمت من سقمي *** فإن منزله من أحسن الناس
والراجح عندنا أن تجديد أبي تمام نابع من استيعابه ثقافة عصره، والتي كانت خلاصة امتزاج ثقافات أجنبية بالثقافة العربية الإسلامية، ومن قراءته الواعية للشعر العربي القديم، ثم محاولته تعميق التجربة الشعرية العربية من خلال تكثيف دلالات الألفاظ أو الكشف عن علاقات جديدة بين أجزاء الصور الفنية أو الإحالة إلى رموز في الثقافة العربية الإسلامية. ولنستمع إليه مع الشاعر البدوي عمارة بن عقيل (ت 238 هـ) - حين قدم بغداد - وقد انشده الناس قوله(25):
غدت تستجير الدمع خوف نوى غد *** وعاد قتادا عندها كل مرقد
هي البدر يغنيها تودد وجهها *** إلى كل من لاقت وإن لم تودد
فيقول عمارة وقد ملكه الإعجاب: "لله دره، لقد تقدم في هذا المعنى من سبقه إليه على كثرة القول فيه، حتى لقد حبب الاغتراب... ولئن كان الشعر بجودة اللفظ وحسن المعاني واطراد المراد واتساق الكلام فإن صاحبكم هذا أشعر الناس"(26).
فهذه شهادة شاعر بدوي، كان الناس يكتبون شعره وشعر أبيه ويعرضون عليه الأشعار إذ قدم بغداد، في حق شاعر حضري مثقف قد أدمن دراسة أشعار السابقين من العرب، وثقف نفسه بكل لطيفة من التراث العربي والإسلامي تخدم شعره؛ فهو يحضرها حتى في حال البديهة. ومن عجيب ما روي عن بديهة أبي تمام أنه "حين أنشد أحمد بن المعتصم بحضرة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وهو فيلسوف العرب:
إقدام عمرو، في سماحة حاتم *** في حلم أحنف، في ذكاء إياس
فقال الكندي: ما صنعت شيئا، شبهت ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين بصعاليك العرب! ومن هؤلاء الذين ذكرت؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيرا، وقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه *** مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره *** مثلا من المشكاة والنبراس
وقد قيل: إن الكندي لما خرج أبو تمام، قال: هذا الفتى قليل العمر، لأنه ينحت من قلبه، وسيموت قريبا، فكان كذلك"(27).
فقد شبه أبو تمام ممدوحه الأمير العربي أحمد بأربعة من أسلافه العرب ضرب به المثل في إحدى الصفات التي أحبوها، وهم: فارس زبيد واليمن وشاعرها عمرو بن معد كرب (ت 643 م)، وحاتم الطائي (ت 506 م) المشهور بالكرم والجود، والأحنف بن قيس سيد يني تميم المعروف بالحلم، وإياس بن معاوية المزني (ت 122 هـ) الذي ولاه الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ) قضاء البصرة لفقهه وفطنته. كما أحال الطائي إلى قول الله تعالى: "الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم"(28).
ولم يكن التكلف في طلب البديع المأخذ الوحيد الذي وسم به شعر أبي تمام، بل اتهم بإقحامه الفلسفة في الشعر، مما أدى إلى إشاعة التعقيد والغموض في ألفاظه وتراكيبه ومعانيه، وهذا ينافي وظيفة اللغة التي هي الإبلاغ والإفادة، ولذا جعله الآمدي في منزلة مضطربة بين الشاعر والفيلسوف؛ وحجته في ذلك أنه إن كان الشاعر "يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منه بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليم النظر، قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما، أو سميناك فيلسوفا، ولكن لا نسميك شاعرا، ولا ندعوك بليغا؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذاهبهم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء ولا المحسنين الفصحاء"(29).
فالآمدي لا يريد أن يحظر على الشاعر الاستمداد من الفلسفة الأجنبية ومن الحكمة الأجنبية، ما لم يخرج على طريقة العرب وبلاغة العرب في "إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف كافية، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصانا يقف دون الغاية"(30). والشاعر الذي رضي عنه النقاد الرض كله، لأنه أكد بشعره صلاح طريقة العرب للبقاء على كر الأيام، هو البحتري الذي عبر عن ضيقه بالمنطق في الشعر، وأعلن عن سيره على نهج الشاعر الجاهلي ذي القروح امرئ القيس بن حجر الكندي (ت 560 م)، وذلك في قوله(31):
كلفتمونا حدود منطقكم في *** الشعر يلغى عن صدقه كذبه
إذن، كل من تحققت في شعره مقاييس الوضوح والاعتدال والصحة والسلامة، فهو الشاعر البليغ الذي يحذو طريقة العرب لا يتجاوزها. فإذا ظهر - بعد كل هذا - شاعر آخر على شاكلة أبي تمام الطائي، قد انتشرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته بين الناس، وتدارسته المجالس، ألفت الكتب في الإبانة عن مساوئ شعره وفي الكشف عن معانيه المسروقة. فهذ أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي (ت 388 هـ)، في الرسالة الحاتمية، يشك في أصالة الحكمة المبثوثة في شعر أبي الطيب المتنبي، ويربطها بكلام أرسطو في الحكمة؛ فكأنه - في كل حكمه - مجرد مترجم لأغراض فلسفية ومعان منطقية يونانية في نسيج لغوي عربي محكم. والواقع أن اطلاع المتنبي على فلسفة اليونان واستفادته منها في شعره وارد، ولكنه عاش حياة مضطربة في عصر انقسمت فيه دولة الخلافة العربية الإسلامية إلى دويلات، واستولى بنو بويه الفرس على بغداد، وكان ذكيا طموحا كثير الترحال، مدمن القراءة والدرس، فتكونت لديه خبرة واسعة بالحياة والناس؛ ثم "تمثل كل ذلك على نحو فذ، فكان شعره ثمرة عجيبة لذلك اللقاء الثقافي"(32).
وكان على الشعراء العباسيين، إذا أرادوا أن يحظوا بالاعتراف والتقدير من جمهور الشعر، أن يوفقوا بين نزوعهم إلى التجديد الشعري الذي ينسجم ومتطلبات عصرهم، وبين احترام التقاليد الشعرية التي جعلت الشعر الجاهلي مرجعا لكل شعر يقال بعده في أي زمان وفي أي مكان، وهذا حتى تحفظ للشعر العربي تميزه من غيره من أشعار الأمم الأخرى.

الهوامش:

1 - رينيه ويليك وأوستن وارين: نظرية الأدب، ترجمة محيي الدين صبحي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط. 3، بيروت 1987، ص 21.
2 - محمد بن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، شرح محمود محمد شاكر، دار المدني، جدة 1974، ج 1، ص 24.
3 - ابن رشيق القيرواني: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، ط. 5، بيروت 1981، ج 2، ص 25.
4 - المصدر نفسه، ص 30.
5 - نفسه.
6 - محمد الجابري: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط. 7، بيروت 1998، ص 79.
7 - أبو الفرج الأصبهاني: الأغاني، موفم للنشر، الجزائر 1992، ج 2، ص 881.
8 - بشار بن برد: الديوان، شرح مهدي محمد ناصر الدين، دار الكتب العلمية، بيروت 1991، ص 483 - 484.
9 - المصدر نفسه، ص 300 - 306.
10 - أبو نواس: الديوان، تحقيق أحمد الغزالي، دار الكتاب العربي، بيروت، (د. ت)، ص 57 - 58.
11 - ينظر، الأغاني، ج 13، ص 6280 - 6281.
12 - أبو نواس: المصدر السابق، ص 13.
13 - ابن رشيق: العمدة، ج 1، ص 197 - 198.
14 - المصدر نفسه، ص 196.
15 - عبد الله بن المعتز: طبقات الشعراء، تح. عبد الستار أحمد فراج، دار المعارف، ط. 2، مصر 1968، ص 201.
16 - ابن رشيق: المصدر السابق، ص 131.
17 - مسلم بن الوليد: الديوان، تحقيق سامي الدهان، دار المعارف، ط. 2، القاهرة 1970، ص 9 - 12.
18 - عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مؤسسة الخانجي، ط. 3، القاهرة، ج 4، ص 55 - 56.
19 - عبد الله بن المعتز: البديع، تحقيق إغناطيوس كراتشكوفسكي، دار المسيرة، بغداد 1979، ص 1.
20 - ابن رشيق: المصدر السابق، ج 2، ص 236.
21 - الحسن بن بشر الآمدي: الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف بمصر، 1961، ج 1، ص 6.
22 - المصدر نفسه، ص 400.
23 - علي بن عبد العزيز الجرجاني: الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد إبراهيم وعلي البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ط. 4، مصر 1966، ص 33.
24 - أبو تمام الطائي: الديوان، شرح شاهين عطية، دار الكتب العلمية، ط. 3، بيروت، ص 447.
25 - المصدر نفسه، ص 98.
26 - الأصبهاني: الأغاني، ج 12، ص 5795 - 5796.
27 - ابن رشيق: العمدة، ج 1، ص 192. وأبو تمام: الديوان، ص 163.
28 - سورة النور، الآية 35.
29 - الآمدي: المصدر السابق، ص 401 - 402.
30 - المصدر نفسه، 400 - 401.
31 - البحتري: الديوان، دار الكتب العلمية، بيروت 2000، ج 1، ص 196.
32 - إحسان عباس: ملامح يونانية في الأدب العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1977، ص 163.

تحميل المقال ar

رجوع إلى الملخصات