Annales du patrimoine - حوليات التراث

Lundi, 20 Octobre 2014 
25 Dhul Hijja 1435
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

العدد التاسع - 2009

مناهج البحث اللغوي

د. عبد القادر شاكر
جامعة تيارت، الجزائر

إن الحديث عن مناهج البحث عديدة ومتشعبة، أصبحت تشغل بال الباحثين الأكاديميين على مختلف مشاربهم واختصاصاتهم، فلا يكاد أي بحث جامعي في الوقت الراهن أن يخلو من الخضوع لمنهج معين على حسب تخصص تلك الأبحاث الجامعية. وما يهمنا في بحثنا هذا في إطار اختصاصنا هو المنهج اللغوي المقارن.
وقبل أن نلج في عمق الموضوع بالبحث والدراسة وعما يتميز به البحث المقارن وما قدمه ويقدمه من خدمة للبحث اللغوي، يجدر بنا أن نقدم تعريفا لغويا واصطلاحيا عن تأسيس لفظة المنهج.
وردت كلمة منهج أو (المنهج) في القرآن الكريم: "ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا"(1).
أما إذا فتشنا عن اللفظة المذكورة (منهج) في التراث اللغوي العربي وفي المعاجم اللغوية بالتحديد، فإننا نجد جل المعاجم تتفق في تحديد لفظة (منهج) من حيث الجانب اللغوي والدلالي، ونبدأ بأقدم مصدر وقفنا عليه وثق كلمة المنهج هو: أساس البلاغة للزمخشري (ت 539 هـ) جاء عنه: "(ن هـ ج) أخذ النهج، والمنهج والمنهاج وطريق نهج، وطرق نهجة، ونهجت الطريق، بينته، وانتهجته، واستبنته، ونهج الطريق وأنهج، وأنهج: وضح، قال يزيد بن حذاق الشني: ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت منه المسالك والهدى يعتدي"(2).
وأنهج الطريق: وضح واستبان، وصار نهجا واضحا بينا، والنهج بتسكين الهاء هو الطريق المستقيم(3). وقد عرف المعجم الوسيط المنهج بأنه الخطة المرسومة، واللفظة دلالتها محدثة، ومنه مناهج الدراسة ومناهج التعليم ونحوهما(4).
المنهج اصطلاحا: ويعني الطريقة أو الأسلوب وفي اللغة الأجنبية الفرنسية هو (méthode). فالقصد من هذا المصطلح الطريق أو السبيل أو التقنية المستخدمة لعمل شيء محدد، أو هو العملية الإجرائية المتبعة للحصول على شيء "ما" أو موضوع "ما".
وقد وظف المنهج على أنه التيار أو المذهب أو المدرسة، وعلى الرغم من تعدد هذه المصطلحات فهدف المنهج وغايته واحدة، هو الكشف عن الطريقة أو الأسلوب لتيار معين أو مذهب معين أو مدرسة معينة(5).
وخلاصة القول: فإن المنهج هو الطريقة الخاصة التي تصلح لكل علم على حدة بل لكل موضوع من موضوعات هذا العلم، ويعني مجموعة القواعد العامة التي يتم وضعها بقصد الوصول إلى الحقيقة في العلم، إنه الطريقة التي يتبعها الباحث في دراسة المشكلة لاكتشاف الحقيقة، أو الوصول لتحقيق الغاية المراد الوصول إليها(6).
والمناهج أو المذاهب أو المدارس عديدة متعددة وسنقف على أهمها بالدراسة وعلى ما قدمته من خدمات للبحث الأكاديمي الحديث والمعاصر ولا سيما في الجانب اللغوي.
المنهج المقارن:
المنهج المقارن أقدم مناهج البحث اللغوي الحديث وبه بدأ البحث اللغوي عصر ازدهاره في أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر. يتناول المنهج المقارن مجموعة لغات تنتمي إلى أسرة لغوية واحدة بالدراسة المقارنة.
عوامل ظهور المنهج المقارن أو أسباب ظهوره:
لعل أسباب ظهوره المنهج المقارن قد تعود إلى نشاط البحث اللغوي الذي عرفته أوربا بالخصوص في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وما بعدهما ومن جملة ما تم تحقيقه - في ظل الأبحاث اللغوية في خلال الفترة المذكورة - اكتشاف اللغة السنسكريتية على يد ألسير وليم جونز (Sir William Jones) الذي كان قاضيا في المحكمة العليا بالبنغال في سنة (1786 م) هو الذي مهد الطريق لتأسيس المنهج المقارن(7). عند قيامه بدراسة رائعة من نوعها، تمت هذه الدراسة على اللغة الهندو أوربية وقدم على إثر هذه الدراسة خلاصة نتائج ما توصل إليه في بحثه المقارن قال: "إن اللغة السنسكريتية مهما كان قدمها بنية رائعة أكمل من الإغريقية وأغنى من اللاتينية، وهي تنم عن ثقافة أرقى من ثقافة هاتين اللغتين، لكنها مع ذلك تتصل بهما بصلة وثيقة من القرابة سواء من ناحية جذور الأفعال أم من ناحية الصيغ النحوية حتى لا يمكننا أن نغزو هذه القرابة إلى مجرد الصدفة. ولا يسع أي لغوي بعد تصفحه هذه اللغات الثلاث إلا أن يعترف بأنها تتفرع من أصل مشترك زال من الوجود"(8).
النص لا يحتاج إلى تعليق؛ لأنه صور أحسن تصوير لما يربط اللغة السنسكريتية من روابط مشتركة ذات أصل واحد، وما تميزت به أو انفردت به اللغة الهندية من خصائص فردية عن أخواتها مثل اللاتينية، والإغريقية وغيرهما. من هنا اتفقت أراء الباحثين اللغويين على أن المنهج المقارن هو أقدم المناهج المعروفة لدينا اليوم، وعلى أساس هذا المنهج تم تقسيم وتحديد الفصائل اللغوية ضمن الدرس الفونولوجي.
أهم مؤسسي علم اللغة المقارن:
سبق لنا أن أشرنا إلى أن وليام جونز (ت 1796 م) كان ممن مهدوا الطريق وهيأوا الأرضية للعلماء الذين جاؤوا من بعده لمواصلة بحوثهم اللغوية في كل الاتجاهات، وتحت تيارات متعددة ومدارس نقدية مختلفة، من بينها المذهب المقارن. وكانت اللغة السنسكريتية أساس للمقارنة ضمن اللغات الهندية الأوروبية، ومعظم الأبحاث تتفقعلى أن بداية المنهج المقارن بدأت منذ نهاية القرن الثامن عشر. إلا أن عبده الراجحي يقول: "إن تأسيس الدرس المقارن قد بدأ على يد "يينش" (D. Jenisch) حين أعلنت الأكاديمية الألمانية عن جائزة لمن يكتب بحثا عن أحسن وسيلة في التعبير اللغوي؛ فكسب الجائزة هذا الأخير وأصدر في سنة (1796 م) كتابه "مقارنة وتقدير فلسفيان نقديان لأربع عشرة لغة أوربية قديمة وحديثة"(9). من هذا التاريخ تم تأسيس المذهب المقارن بأتم المعنى وكانت المدرسة الألمانية سباقة في احتوائها واحتضانها المنهج المقارن ولا ننسى لغوييها أمثال: فردريك فون شليجل (Friedrich Von Schlegel). الذي يعتبر أول من دعا إلى النحو المقارن وكتابه الذي أصدره في سنة (1808 م) بعنوان: "عن اللغة و المعرفة عند الهنود"(10).
لقد استمرت المدرسة الألمانية تطور أبحاثها اللغوية في ظل المنهج المقارن إلى جانب المنهج التاريخي على يد ثلة من علماء اللغويين أمثال:
1- بوپ (1791 م - 1867 م) (Franz Bopp) صاحب كتاب (القواعد المقارنة)، وما توجهه اهتمام الناس إلى هذه اللغة (السنسكريتية) والقواعد المقارنة في أبحاثه إلا دليل على مدى إرساء القواعد المقارنة وفق ما تقتضيه الدراسات الأكاديمية العلمية الحديثة.
بوب يعتبره جورج مونن مؤسس القواعد المقارنة بدون منازع، كان صاحب معرفة واسعة بعلوم عصره اللغوية والفلسفية وتعلم الفارسية والعربية والعبرية، والسنسكريتية على يد شيزي (Chézy) الأستاذ في معهد كوليج دي فرانس (Collège de France) منذ عام (1814 م)، وهنا بباريس أنشأ بوب مذكرته: "في نظام تعريف اللغة السنسكريتية ومقارنته بالأنظمة الصرفية المعروفة في اللغات اليونانية والفارسية والجرمانية.
استدعي بوب في سنة (1821 م) لتعليم السنسكريتية في جامعة برلين، تابع بوب أبحاثه في اللغة المقارنة طوال نصف قرن من الزمن وتقدم إلى المجمع اللغوي في برلين بخمس مذكرات على التوالي نذكر منها، التحليل المقارن بين اللغة السنسكريتية واللغات التي تمت إليها بصلة القربى، (1824 م – 1831 م)، وكذلك القواعد المقارنة (1833 م – 1852 م)"(11).
أما غريم (Jacob Grimm) (1785 م – 1863 م) صاحب كتاب (القواعد الألمانية) فهو يعد من مؤسسي المدرسة المقارنة أو النحو المقارن، فقد أسهم بعطاءاته في تأسيس المذهب المقارن بل والتاريخي، ولم يفرد له جورج مونن ترجمة كاملة تخص حياة هذا اللغوي وجهوده وأبحاثه اللغوية مثل ما فعل مع بوپ، وراموس راسك الدانماركي، أو شلايشر، بل أشار إلى هذا الرجل في عدة محطات من كتابه تاريخ علم اللغة منذ نشأتها حتى القرن العشرين(12).
ما يثبت جهود جاكوب غريم في مجال البحث اللغوي المقارن جهوده للدراسات الصوتية المقارنة وما تخضع له من قوانين التحول التي تخضع لها الحروف الصحيحة في اللغة الجرمانية(13). وهو متأثر مقلد في نظر بردسن (Predersen) براموس راسك (R. Rask)، والاقتباس ظاهر في كتاب غريم "القواعد الألمانية"، ففي طبعته الأولى (1819 م) لم يذكر غريم كلمة واحدة في علم الصوت، فحين أفرد هذه الظواهر الصوتية خمسة وتسعون وخمسمائة 595 صفحة من الطبعة الثانية (1822 م).
وقد أشار راومر (Rowmer) في موطن آخر(14) من الكتاب المذكور، وذلك في عام (1870 م) إلى ما يدين به الألماني غريم للغوي الدانماركي، هذا دليل ثان على أن جريم قد تأثر بأستاذه راموس راسك وبخاصة في مجال الدراسات الصوتية المقارنة. ناهيك أنه كانت له جهود كبيرة في تأسيس المنهج التاريخي، بدليل قول: جورج مونن: "لما كان بوب في سبيل إعداد القواعد المقارنة، كان غريم في الوقت نفسه يضع القواعد التاريخية للغة الألمانية، ثم راحوا يقتفون أثره فوضع دييز (Friedrich Diez) قواعد مقارنة وتاريخية معا للغات الرومية ومنذ عام (1870 م) كانت الأبحاث قد طبعت بطابع جديد(15). ويصفه محمود السعران بخالق النحو المقارن في ألمانيا(16).
ولا ننسى أتباع مدرسة بوب وما قاموا به من أبحاث لغوية متأثرين بمنهج المدرسة المقارنة أمثال: ماكس مولر (M. Muller) وجورج كورتيوس (G. Curtius)، وأوغست شليشر (1821 – 1868 م) (August Schleicher)، قدم كل منهم خدمات بطريقته الخاصة في فقه اللغة المقارن(17).
هدف المقارنة عند بوب وأتباعه:
كان الهدف الأساسي من القواعد المقارنة عند بوب وأتباع مدرسته إثبات القرابة بين اللغات، وهي لا تسعى إلى تتبع تاريخها الطويل خطوة خطوة، بل تعتمد طريقة الموازنة الدقيقة الصارمة، وتنتهي من عملها أو تستنفذ خطوة، أو تستنفذ طاقتها إذ أثبتت أن التشابه بين أشكال لغتين لا يمكن أن يكون من قبيل الصدفة، وبالتالي لا بد أن تكون اللغتان قريبتين من الناحية التوليدية. إما أن تكون إحداهما منحدرة من الأخرى، وإما أن تنحدرا معا من أصل مشترك(18).
ميدان المنهج المقارن:
إن علم اللغة المقارن أقدم مناهج البحث اللغوي كما يؤرخ له الباحثون، به بدأ البحث اللغوي عصر ازدهاره في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر للميلادي. فهو منهج يطبق على مجموعات لغوية معينة من اللغات إنه يطبق على اللغتين أو عدة لغات منتسبة إلى أصل واحد بعيد، ثم خضعت في تاريخها الطويل لتطورات منفصلة.
وعندما يقف اللغوي إلى جمع السمات (الخصائص) المشتركة بين أمثال هذه المجموعة من اللغات يتمكن من أن ينشئ النحو المقارن لهذه المجموعة(19).
المنهج المقارن يهيئ السبيل لتصنيف اللغات بحسب خصائصها وتجميعها في عائلات ومستوى هذه المقارنة هو الجانب الفيزيولوجي والنحوي والدلالي، بفضل هذا المنهج تقدم البحث اللغوي شيئا فشيئا، فقورنت اللغات الأوربية المختلفة واللغات الإيرانية، واللغات الهندية، وثبت بهذه المقارنات أن كثيرا من اللغات تحمل أوجه شبه البنية والمعجم، وبذلك اتضحت معالم أسرة لغوية كبيرة تضم لغات كثيرة في الهند وإيران وأوربا، وأطلق الباحثون على هذه الأسرة اللغوية اسم اللغات الهندية الأوربية. ويسميها الباحثون الألمان أسرة اللغات الهندية الجرمانية.
وقام الباحثون في اللغات السامية – أيضا – بتطبيق المنهج المقارن الذي يبحث مجموعة اللغات العربية والعبرية والآرامية والأكادية والعربية الجنوبية والحبشية.
وقد ازدهر البحث اللغوي المقارن خلال القرن التاسع عشر، وبحث في اللغة السامية من حيث الصوت وبناء الكلمة، وبناء الجملة الخبرية والفعلية والاسمية، وتناول علم الدلالة وما يتعلق بتاريخ الكلمات وتأصيلها(20).
كان للمنهج المقارن دور في دراسة اللغات السامية في فترة كانت الكشوف الأثرية قد ظهرت إلى الوجود مكتوبة على النقوش، وهي اللغات الأكادية في العراق، والعربية الجنوبية في اليمن، والفينيقية في منطقة ساحل الشام، وأضيف إلى اللغات السامية في القرن العشرين اللغة الإجريتية التي اكتشفت في ساحل الشام بالقرن من مدينة رأس شمرا سنة 1926 للميلاد.
إن البحث المقارن يتناول أسرة لغوية كاملة أو فرعا من أفرع هذه الأسرة اللغوية، ولهذا يعد علم اللغة المقارن فرعا مستقلا من أفرع البحث اللغوي.
يتناول المنهج المقارن المجالات المذكورة لعلم اللغة، فيبحث في الناحية الصوتية للأصوات الموجودة في هذه اللغات المنتمية إلى أسرة لغوية واحدة، محاولا التوصل إلى قواعد مطردة تفسر التغيرات الصوتية التي طرأت على مدى الزمن، فانقسمت اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات كثيرة، انقسمت بدورها إلى اللغات أخرى، وقد اتضح في إطار البحث اللغوي الصوتي المقارن أن مجموعة من الأصوات مستمرة دون تغيير يذكر على العكس من هذا فهناك أصوات خضعت لتغيرات بعيدة المدى منها صوت الضاد الذي اختفى بمضي الوقت من كل اللغات السامية باستثناء اللغة العربية، وكل هذه البحوث في مجال الأصوات، وتعد بمنهج مقارن(21).
كما يتناول المنهج المقارن بناء الكلمة وكل ما يتعلق بالأوزان، والسوابق واللواحق، ووظائفها المختلفة، فدراسة الضمائر في اللغات السامية تعد من الدراسات التي أولى لها علم الصرف المقارن عنايته؛ لأنها تخص بنية الكلمة فهي تتم بمنهج مقارن، وكذلك أبنية الأفعال في اللغات السامية، واسم الفاعل في اللغات السامية، أو المصدر في اللغات السامية، فكل هذه الدراسات تدخل تحت ما يسمى بعلم الصرف المقارن للغات السامية.
كما يعد المنهج المقارن في بناء الجملة مجالا ثالثا من مجالات البحث في علم اللغة المقارن، إن دراسة الجملة سواء أكانت فعلية أم اسمية في اللغات السامية فهي مناط البحث بالنسبة للمنهج المقارن.
كما يبحث المنهج المقارن في اللغات السامية وبخاصة في الكلمات وتأصيلها، وغايته في هذه الدراسة التنقيب عن الكلمات المشتركة في المعنى أو المختلفة وما طرأ عليها من تغيير دلالي. كما يهدف إلى تأصيل المواد اللغوية في المعاجم، وردها إلى أصولها السامية إن وجدت(22).
هل عرف العرب المنهج المقارن في دراساتهم التراثية؟
إن وجود المناهج اللغوية من حيث التأسيس حديثة العهد لم يتعد على قيامها أكثر من قرنين، واعتمادها طريقا أو منهاجا يلتزم به كل باحث مهما كان، ومهما تنوعت إنتاجات وإبداعات هؤلاء الباحثين على اختلاف تخصصاتهم.
على الرغم من حداثة خصائص المنهج المقارن وشروطه ومميزاته غير أن العرب لم يشروا إلى ذكر لفظة هذا المصطلح، ولا إلى أهميته في الدراسات اللغوية أيام ازدهار نهضتهم الفكرية، حالهم في ذلك حال الأمم المجاورة لهم مثل الفرس أو الهند أو اليونان، أو غيرهم، لكن آثار وجود بعض بصمات المنهج المقارن فهي حاضرة في دراساتهم، وذلك من خلال ما استدل به الباحثون اللغويون العرب المعاصرون ولنأخذ نصافي الموضوع، قال سليمان ياقوت: "ولم يكن جميع القدامى من اللغويين العرب على جهل باللغات السامية، بل كان بعضهم يعرف العلاقة بين العربية وبعض هذه اللغات، وإن لم تثمر هذه المعرفة عندهم في الدرس اللغوي، ومقارنة العربية باللغات السامية، فقد ورد في كتاب (العين) للخليل بن أحمد قوله: "وكنعان بن سام بن نوح، ينسب إليه الكنعانيون، وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية"(23).
النص يفصح للقراء بأن اللغويين العرب كانوا على دراية باللغات السامية أخوات العربية في وقت مبكر، والدليل على ذلك ما جاء على لسان الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ)، حين ضارع لغة العرب بلغة الكنعانيين، فهذه الدراسة أساسها هو المنهج المقارن بمفهومه العلمي؛ لأن معرفة العلاقة بين اللغتين المذكورتين أو نفي الصلة بينهما لا يقوم بها إلا عالم أو عارف بلغتين متضلع فيهما.
وواصل سليمان ياقوت جملة من الاستشهادات التي ثبتت ملامح وجود المنهج المقارن في الدراسات التراثية العربية كالتي جاءت على يدي أبي عبيد القاسم بن سلام الجمحي (ت 231 هـ) عندما تعرض إلى أداة التعريف في اللغة السريانية، واللغة العربية، والرموز الإعرابية(24).
قلنا هناك بصمات للمنهج المقارن في الدراسات اللغوية العربية القديمة، وهذا ما نقف عليه عند صاحب الإيضاح في علل النحو، قال: "الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى" فقال قائلون: إنما قصد الكلام العربي دون غيره، وقال آخرون بل أراد الكلم العربي كله والعجمي"(25).
المتمعن في النص قد يعي كل الوعي أن العرب عندما تعرضوا لدراسة لغتهم في كل سياقاتها كانوا يدركون اللفظة العربية من غير العربية هذه الأحكام والاستنتاجات هي من خصائص دراسات المنهج المقارن.
وما يثبت وجود أدلة على أن المنهج المقارن تواجد في الدراسات العربية القديمة ما تناوله ابن دريد في جمهرته (كتابه) يشير إلى ما اختصت به الأصوات العربية دون سائر الخلق صوتا الحاء والظاء "وزعم آخرون أن الحاء في السريانية والعبرانية والحبشية كثيرة وأم الظاء وحدها مقصورة على العرب ومنها ستة أحرف للعرب ولقليل من المعجم وهن العين والصاد والضاد والقاف والطاء والثاء، وما سوى ذلك فللخلق كلهم من العرب والعجم إلا الهمزة"(26).
كما توصل ابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ) إلى وجود علاقة القرابى بين العربية والعبرية والسريانية وبخاصة فيما يتعلق باللفظ، ثم أدرك أبو حيان الأندلسي صاحب البحر المحيط (ت 754 هـ) العلاقة الموجودة بين الحبشية والعربية، وألف فيهما تأليفا مستقلا في البحر المحيط.
قال: "وقد تكلمت عن كيفية نسبة الحبش في كتابنا المترجم عن هذه اللغة المسمى بـ (جلاء الغبش عن لسان الحبش"(27). هذا دليل آخر على أن علماء العرب القدامى قد تناولوا في دراستهم وأبحاثهم المنهج المقارن دون أن يعرّفوا أو يعرفوا أسس وخصائص هذا المنهج.
هذا ما يثبت أن العرب لم تكن دراساتهم دراسة عقيمة متحجرة غامضة بل مروا في أبحاثهم وتعليمهم ودراساتهم مثل بقية الأمم والشعوب التي سبقتهم.

الهوامش:

1 - سورة المائدة، الآية 48.
2- الزمخشري: أساس البلاغة، تحقيق أحمد عبد الرحيم محمود، دار المعرفة، بيروت، ص 474.
3 - ابن منظور: لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، ط. 1، بيروت 1988، ج 14، ص 300.
4 - المعجم الوسيط، ط. 2، مجمع اللغة العربية، دار المعارف بمصر، 1973، ج 2، ص 957.
5 - يراجع، نور الهدى لوشن: مباحث في علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، المكتبة الجامعية الأزريطة، الإسكندرية 2000، ص 284 - 285.
6 - يراجع عبد المجيد علي عابدين: مزالق في طريق البحث اللغوي والأدبي وتوثيق النصوص، دار النهضة العربية، بيروت، ص 44.
7 - يراجع، محمود فهمي حجازي: مدخل إلى علم اللغة، دار قباء، القاهرة، ص 19.
8 - جورج مونن: تاريخ علم اللغة منذ نشأتها حتى القرن العشرين، ترجمة الدكتور بدر القاسم، مطبعة جامعة دمشق، 1395 هـ - 1972 م، ص 162. وأحمد محمد قدور: مبادئ اللسانيات، دار الفكر المعاصر بيروت - دمشق، ط. 2، 1419 هـ - 1999 م، ص 13.
9 - د. عبده الراجحي: فقه اللغة في الكتب العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1988، ص 13.
10 - المصدر نفسه، ص 14.
11 - جورج مونن: المصدر السابق، ص 177 - 180. ومحمود السعران: علم اللغة المقارن مقدمة للقارئ العربي، دار الفكر العربي، القاهرة 1420 هـ - 1999 م، ص 271.
12 - يراجع جورج مونن: المصدر السابق، ص 169 - 185.
13 - المصدر نفسه، ص 172.
14 - المصدر نفسه، ص 173.
15 - المصدر نفسه، ص 169.
16 - محمود السعران: المصدر السابق، ص 272.
17 - نفسه.
18 - جورج مونن: المصدر السابق، ص 186. وماريو باي: أسس علم اللغة تأليف، ترجمة الدكتور أحمد مختار عمر، ط. 2، عالم الكتب، القاهرة 1408 هـ - 1987 م، ص 232.
19 - محمود السعران: المصدر السابق، ص 200.
20 - محمود فهمي حجازي: مدخل إلى علم اللغة، ص 20 - 21.
21 - نفسه.
22 - نفسه.
23 - محمود سليمان ياقوت: منهج البحث اللغوي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 2002، ص 107.
24 - نفسه.
25 - أبو القاسم الزجاجي: الإيضاح في علل النحو، تحقيق مازن المبارك، دار النفائس، بيروت 1986 م، ص 41.
26 - عبد الجليل مرتاض: في مناهج البحث اللغوي، دار القصبة، الجزائر 2003، ص 65.
27 - محمود سليمان ياقوت: المصدر السابق، ص 108.

تحميل المقال ar

رجوع إلى الملخصات