التيه النقدي واتساع مدى النقد الثقافي

د. ياسمين فيدوح
جامعة مستغانم، الجزائر

تجمع المفاهيم والنظريات على أن عملية تحديث التنمية في جميع المجالات مرهونة بالتمسك بالمعارف لدى المجتمعات التي تسعى إلى مواكبة مستجدات العصر. وإلى فترة قريبة كان النقد التحليلي على رأس ما ترنو إليه هذه المعارف وترغب في تجديده، ولعل كل ما كان يقاس من تطور معرفي يأخذ النقد التحليلي على عاتقه جزءا من المساهمة في هذا التطور، ويسهم في نشر رؤى تبحث في مخرجات جديدة للتنمية وأساليب الإنتاج المعرفي المثمر؛ لأن الغرض من المعرفة بوجه عام هو ارتباطها بالمنفعة الملموسة لصالح المجتمع.
صحيح أن المعارف - اليوم - تتجدد بسرعة مذهلة بما يتماشى مع المطلق، وصحيح أيضا أن توالد المصطلحات والمفاهيم بدأت تتكاثر تكاثر الفطريات الطفيلية على جوهر الحقائق، واللاجدوى من نتائجها، من مثل نهاية التاريخ، وموت المؤلف، ونهاية البنيوية، ونهاية الحداثة، وما بعدها، وعصر الصورة، وجيل صدمة المستقبل... حتى أصبحت فوضى الابتكارات الاصطلاحية ترفا يتعالى من خلالها النقاد والمنظرون - على الأقل في مجتمعاتن العربية - وينظرون بها إلى واقعنا من دون جدوى، غير التغرّب، واستيراد وعي الآخر، وإقحامها في تربة غير صالحة لزرعها.
ومع بزوغ الألفية الثالثة تطل علينا أجناس معرفية جديدة، تنهل من روافد معرفية شتى، حيث أصبح سؤال المعرفة اليوم، هو غير سؤال المعرفة من ذي قبل، فإذا كان السؤال في السابق يُعنى بالبحث عن الإضاءة المعرفية الداعية إلى البحث عن الشيء ومحتواه، فإن سؤال الثقافة اليوم يعنى بالتشتت الذهني، والقضاء على هيمنة المركز الذي بات عقيم في نظر "الدراسات الثقافية" مما جعله يطرح بديلا واضحا وشاملا، ونابعا من مسايرة الوعي الثقافي الذي تكرسه أفكار ما بعد الحداثة، والعولمة وما بعدها، كما أصبح سؤال المعرفة اليوم يطرح أفكارا جديدة مخالفة للأفكار السابقة، ويهتم "بلامركزية الثقافة" في مقابل نشر "شمولية الثقافية" و"تلاشي الهويات القومية" التي أصبحت في حكم: التشيؤ، والانقراض، والتنميط، وتحت سقف الانصياع لمبادئ العولمة التي تسعى إلى مطابقة الثقافة مع مشروع نظام العولمة، وما بعدها، في احتواء ثقافة الشعوب، وجعله في سلة واحدة، ضمن سياق المشروع الثقافي الذي يتجدد بفعل متغيرات الكون ومستجداته.
وإذا كان التواصل مع مستجدات العصر، أساسه التثاقف المبني على دعامتي التأثر والتأثير بين ثقافة الشعوب، فإن شرط المشروع المعرفي، المستمد أساسا من ترسانة تكنولوجيا الوسائط المعلوماتية، يتطلب تفعيل الحراك الثقافي بما تستوجبه السيرورة المعرفية المتنامية، والقائمة على التجديد المتواصل. وعلى ما في هذه الدعوة من إيجابيات بوصفها تضع الوعي الثقافي في سنن التطور الابستيمولوجي، على ما فيها من سلبيات كونها تكرس المطلق العائم، وتروض المعرفة لتصبح منقادة، ومنساقة وراء افتقار النظام المنهجي، وتضع الوعي في مقام الشتات.
إن الانفتاح على المستجد الحاصل، والتبدل الجديد لنشاط المعرفة، ولد مشروعا تحليلي لدراسة إنتاج الأجناس المعرفية في دلالاتها الثقافية، وجعل من المعارف، برمتها، صيغة من صيغ الممارسات الثقافية؛ أي ضمن سياق الممارسات الدالة ثقافيا "وهو الأمر الذي يجعل الدراسات الثقافية (اليوم) تختلف بشدة عن المجالات البحثية التقليدية... ولا يعتبر افتقار الدراسات الثقافية إلى مجال بحثي واضح ومحدود مبعث دهشة: فنقطة انطلاقها رَحْبَة، وواسعة جدا. كما أنها تستخدم جميع المفاهيم الغامضة التي تتضمنه الثقافة بوصفها شاملة لكافة الممارسات ودراستها"(1).
إن الحاصل من تنظير للدراسات الثقافية - إلى يومنا هذا - قائم على الحاجة إلى تعديل المنظومة المعرفية، وإلغاء صفة الخصوصية التي تتميز بها كل معرفة، وتفكيك وظيفة فردية العلوم التي كانت تأخذ طابع التخصص. ولعل هذا ما يشبه، إلى حدٍ ما، فكرة "التشتيت" (dissémination)(2) التي أشار إليها جاك دريدا (Jacques Derrida). وبالنظر إلى وظيفة الدراسات الثقافية، وحال ظاهرة التشتيت هذه، تعذر على النقاد الثقافيين أن يضعوا تعريفا وافيا للدراسات الثقافية بعد أن تحولت إلى جنس معرفي شامل يحتوي باقي الأجناس الأخرى، ويلتهم محتوياتها، ويستوفي ما فيها من رؤى ثقافية، و"نظرا لاتساع مفهوم الثقافة وانفتاحه على كل شيء تقريبا، فإن حقل الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، يؤدي وظيفته من خلال الاستعارة، من مختلف فروع المعرفة مثل: علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، واللغويات، واللسانيات، والنقد الأدبي، ونظرية الفن، والفلسفة، والعلوم السياسية، وعلوم الاتصال، وغيرها. ذلك أن الدراسات الثقافية ليست نظاما، وإنما هي مصطلح تجميعي لمحاولات عقلية مستمرة ومختلفة، تنصب على مسائل عديدة، وتتألف من أوضاع سياسية وأطر نظرية مختلفة ومتعددة"(3). يجمعها مصطلح الدراسات الثقافية ومن بعده المصطلح المتساوق معه "النقد الثقافي" الذي يفرز النصوص من حيث منظور السياق الثقافي الإيديولوجي / الاجتماعي - وما يتبع ذلك من مؤثرات خارجية أخرى كالمؤثر السياسي، والاقتصادي، والفكري - غير مبالٍ بالمنظور الجمالي الذي كان حارسه النقد الأدبي بتحليلاته الإجرائية لكشف أنظمته القائمة على النسق الفني ضمن مؤسسة الدراسات الأدبية التي لم تعد قادرة على احتواء مستجدات العصر من معارف، تحاكي متطلبات المتغيرات الجديدة التي أصبح مشروعها بديلا للنقد الأدبي والدراسات الأدبية، "ونحن في النقد الثقافي لم نعد معنيين بما هو في الوعي اللغوي، وإنما نحن معنيون بالمضمرات النسقية، وبالجملة الثقافية، التي هي المقابل النوعي للجملتين النحوية والأدبية، بحيث نميز تمييزا جوهريا بين هذه الأنواع، من حيث إن الجملة الثقافية مفهوم يمس الذبذبات الدقيقة للتشكل الثقافي الذي يفرز صيغه التعبيرية، ويتطلب منا بالتالي نموذج منهجيا يتوافق مع شروط هذا التشكل، ويكون قادرا على التعرف عليها ونقدها"(4)، كما يتطلب منا وعيا ثقافيا بليغا يستمد طاقته من تنوع المعارف، وتشكل عناصرها، واستنباط الفاعلية الثقافية من داخل النص المقروء، وإلى جانب هذا هناك الرصيد الثقافي للقارئ الذي يعد مطلبا أساسا، يتقاطع مع الرصيد الذوقي، كونه وسيطا بين المعارف. ولعل هذ ما قد يعزز من دور الناقد الثقافي في اطلاعه الواسع بما يجري في السائد الثقافي المنزاح عن المألوف، وهو ما أشار إليه فريدريك جيمسون(5) (F. Jameson) حين تحدث عن "الوعي المرتبط بالوضع" أو "الأليغورة" (Allegory) الداعية إلى "التكلم على نحو آخر"، وكأن الأمر يتعلق - في نظر هذه المقولة التي تليق بالدراسات الثقافية ومنها النقد الثقافي - بتبعية المعرفة للوعي، في حين يفترض العكس هو الصحيح.
وبذلك يكون النقد الثقافي قد كسر كل المنهجيات التي سادت عصورا، وكأن ذلك - في نظر بعض الباحثين - يعطينا يقينا أننا نعيش حالة لذة المنفى، أو ما يمكن أن نطلق عليه "الصعود نحو الأسفل" أو ما عبر عنه جان فرانسوا ليوتار(6) (Jean-Francois Lyotard) في أثناء تطرقه إلى "ما بعد الحداثة" على أنها حركة تقبل بمفهوم "كله ماشي"، أو على حد تعبير جوليا كريستيفا "كيف يمكن للمرء أن يتفادى الغرق في مستنقع الفهم الشائع، إن لم يكن بأن يغدو غريبا عن بلاده، ولغته، وجنسه، وهويته"(7)، وهي بذلك تشير إلى أن الوضع السائد بكل أنساقه تابع للوعي المعرفي، ولعل هذا ما يجرنا إلى تساؤل جوهري: هل يمكن أن يصبح الحدث اليومي موضوع الفن بثقافة الحديث اليومي؟ مثلا. ثم، كيف لنا أن نصوغ خطابنا الثقافي الذي يتوسط بين الأصالة والمعاصرة، بين شيب الماضي، وشباب المستقبل، وبين اللغة الوطنية والنزعة الفردية، وبين محاولة تأكيد الهوية، وارتمائها في أحضان الآخر. أمام هذه الحالة التي أوصلت المجتمعات الحديثة إلى "فقدان المركزية" (Decentering) وعدم الاقتداء بالنموذج، يتبادر إلينا أننا نعيش على مفترق طريقي الوجود والعدم، أو حالة الغيبة ونسيان الحضور، خاصة في هذه الحقبة المفعمة بالتحولات الرهيبة "حيث ترسم الدوائر الغربية خارطة العالم على ضوء مقولة تطابق بين الفكرة الكلية و"دولة العناية" العالمية، فتسعى إلى مطابقة الكون مع مشروعها الكوني. في هذه الحقبة التي تصنف الدوائر الثقافية الغربية، فيها، الشعوب إلى "تاريخية" ودون تاريخية، وتحكم علينا باللاتاريخية"(8)، وتزرع فينا دوافع التشتت غير المتناهي الذي يقودنا إلى خلق بنيات مفتوحة على مصاريع الحياة، وغير متصلة بعضها ببعض، ولا محدودية لها، وأكثر ما يغلب عليها طابع الارتجالية من خلال النظرة الراديكالية إلى "عدم الاستمرار في الشيء"، والإفراط في التغيير الذي غالب ما يكون من أجل التغيير ليس إلا.
تتناول مساعي النقد الثقافي أبواب التحول من البحث عن الحقيقة الغائبة في النص، إلى البحث في كيفية إعادة بنائها، لتصبح "معنى ما" بما يتلاءم مع ثقافة المشهد، وبلورة صيغ تصوره بتعدد القراءات الذوقية، ثم رسا الأمر بهذه المساعي إلى وازع النسق الثقافي في جميع أشكاله من دون إقصاء ما يجري في الحياة اليومية من سلوكيات، خاصة منها المضمرة، "وكلما رأينا منتوجا ثقافيا، أو نصا يحظى بقبول جماهيري عريض وسريع، فنحن في لحظة من لحظات الفعل النسقي المضمر، الذي لا بد من كشفه والتحرك نحو البحث عنه. وقد يكون ذلك في الأغاني، أو في الأزياء، أو الحكايات، والأمثال، مثلما هو في الأشعار، والإشاعات، والنكت. كل هذه وسائل وحيل بلاغية جمالية، تعتمد المجاز والتورية، وينطوي تحتها نسق ثقافي ثاوٍ في المضمر، ونحن نستقبله لتوافقه السري، وتواطئه مع نسق قديم منغرس فينا، وهو ليس شيئا طارئا وإنما جرثومة قديمة تنشط إذ ما وجدت الطقس الملائم"(9).
من هذا المنظور تتبدى المعرفة في حكم النقد الثقافي على أنها مقوم ثقافي تستمد منابعها من البنيات الأساسية المكونة للمجتمعات، خاصة منها المضمرة، أو غير المتصلة بالأحداث الرسمية، ومن كل ما يناقض السائد في العلوم والمعارف، وجوهرها، وغالبا م تظهر بشكل عفوي لتصبح خطابا يستنطق المسكوت عنه من الوعي الثقافي في النصوص، وهن تكمن جسارة النقد الثقافي في عنصر التحدي، تحدي طرق المسكوت عنه، وليصبح الناقد الثقافي في هذه الحالة كحاطب ليل في براري شتات الثقافة، وتنوعها.
وإذا كانت دعوة معالم الدراسات الثقافية، والنقد الثقافي على وجه الخصوص، تركز على تجاوز الثابت عبر سلسلة من المتواليات من المعارف والثقافات في صلتها بتطور الحياة، فإن المبرر لهذه الدعوة هو الرغبة في تحول الفكر من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن معنى، أو من المدلول إلى الدال، حيث منجزات تثير العقل والنظر معا في شكل "المشهد المبهر"، والاهتمام "بثقافة الصورة"، حيث باتت ثقافة الألفية الثالثة تكرس نموذج نمطيا في ثقافة الشعوب، ولم تعد تميز بين الوعي المعرفي فيما إذا كان علما أو معلومة، وهذا ما جعل ديك هيبدايج (Dick Hebdige)(10) يقول: إن صرخة الدال (signifier) المجنون، تجتذبنا، في تحديد معارفنا والتي أصبح يغلب عليها طابع التشعب والتشتت، نساق فيها من مكان إلى مكان عبر سلسلة من السطوح العاكسة كالمراي المتقابلة.

الهوامش:

1 - زيودين ساردرا وبودين فان لون: الدراسات الثقافية، ترجمة وفاء عبد القادر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2003، ص 10.
2 - يعد مصطلح التشتيت (dissémination) من المصطلحات التي يستخدمها دريدا والمشتق من الفعل (disséminer) للدلالة على تبعثر البذور ونثرها، وفي معناها الدلالي على تناثر معنى النص، حيث يصعب الإمساك بمعنى ما، يحمل دلالة أحادية التصور، كما أن "التشتيت" عند دريدا لا يدل على "البعثرة" بمعناها السلبي البسيط، بل يدل على تشتيت مضْطلع به، وعلى إنفاق، أو تبذير فعال، ونثر للعلامات والنصوص، كما تنتشر البذور، لا من أجل الضياع المحض، بل ليطلَع منها بذرا آخر على غير ما يتوقع. ينظر، هومي ك. بابا: موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب، المركز الثقافي العربي، ط. 1، 2006، ص 248.
3 - حفناوي بعلي: مدخل إلى نظرية النقد الثقافي المقارن، الدار العربية للعلوم، ناشرون، ط. 1، 2007، ص 19.
4 - المرجع نفسه، ص 50.

5 - F. Jameson: Third Word literature in the area of multinational capitalism, Fall 1986, p. 69.

6 - في كتابه:

La condition postmodern, Rapport sur le savoir, 1979.
7 - J. Kristeva: A newtype of intellectual, the dissident , in T. Moi, Ed. the Kristeva Reader, Oxford, Blackwell 1986, p. 145.

8 - جميل قاسم: مقدمة في نقد الفكر العربي، من الماهية إلى الوجود، دار ومكتبة الهلال، ط. 1، بيروت 1996، ص 5 وما بعدها.
9 - حفناوي بعلي: مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن، ص 51.

10 - Dick Hebdige: Hiding in the Light, on images and things, London and New York 1988, p. 195.


تحميل المقال ar

رجوع إلى الملخصات