التربية الصوفية عند الغزالي

ميلود حميدات
جامعة الأغواط، الجزائر

الملخص:

التصوف علم من العلوم الشرعية كما يقول ابن خلدون، وقد كان سيرة الكثير من الصحابة والتابعين، ولكن بعد أن احتك المسلمون بغيرهم من الأمم، وتعرفوا على ثقافاتهم وفلسفاتهم، واختلط التصوف بتلك التيارات الوافدة، والأفكار الجديدة، فنبذه الكثير من المسلمين، خوفا على صفاء العقيدة، وسيرة السلف الصالح. وجمع بعض المتصوفة بين الفلسفات اليونانية والفارسية والهندية والتصوف، فانحرفوا به عن أصوله الإسلامية الأصيلة. ونتج عن ذلك أن تعرض الكثير من المتصوفة للتضييق والمحاسبة من العامة والفقهاء، أو حتى من الحكام وأهل السياسة، وحوكم البعض على أفكارهم الصوفية، فعدت عليهم زندقة وخروج عن الدين، ودفع البعض حياتهم ثمنا لطريقتهم في التصوف. إلى أن جاء أبو حامد الغزالي فأسس هذا العلم من جديد على قواعد جديدة، تعيده إلى أصوله الصحيحة، وتربطه بأهل السنة، وتجعل منه طريقة على الحقيقة، ووسيلة من وسائل تربية النفس وتزكيتها. وفي بحثنا هذا نبين طبيعة التصوف عند الغزالي، لنثبت أنه جزء من فلسفته التربوية التي تهدف إلى تربية الفرد والمجتمع.

الكلمات الدالة:

التصوف السني، الغزالي، الدين، المؤثرات الخارجية، التربية.

***

النص:

قبل التطرق إلى موضوع التصوف عند الغزالي يجدر بنا أن نعرفه لغة واصطلاحا، ليصبح بعد ذلك ممكنا فهم التصوف، ومعرفة الإضافات التي أضافها الغزالي إلى التصوف.

1 - التصوف لغة:

اختلف لفظ مدلول التصوف بين الباحثين، وتنوعت الآراء حول ذلك، لذا نكتفي بذكر أهمها:
أولا: أرجع البعض الكلمة إلى الصفاء، أو الصفو، وإن كان ذلك قريبا من مقصد المتصوفة الذي هو التصفية والصفاء، إلا أن الاشتقاق اللفظي يبدو بعيدا لأن النسبة إلى الصفاء صفائي وليس صوفي، كما يشتق من الصفو صَفوي لا صوفي.
ثانيا: أرجع البعض نسبة الصوفية إلى أهل الصُفة، الذين كانوا من الفقراء والمساكين الذين يتميزون بالزهد والتعبد في زمن الرسول (ص)، إلا أن الاشتقاق اللغوي لا يتناسب، إذ ينتج صُفي من الصُفة وليس صوفي، رغم تشابه الحال بين حياة أهل الصفة، وإقبال المتصوفة على حياة الزهد والتقشف.
ثالثا: كما ربط البعض الكلمة بقبيلة صوفة، وهي حي من تميم، كانت قبل الإسلام، وعرف عنهم خدمة الكعبة، وكانوا يجيزون الحاج في الجاهلية من منىً، ولكن عرف عن أفراد القبيلة اسم الصوفان وليس الصوفي(1).
رابعا: كما أرجع البعض الكلمة إلى الصوف، على اعتبار أن لبس خشن اللباس من الصوف كان طريقة الزهاد والمتنسكين، وذلك تجنبا لفاخر اللباس ومظاهر الجاه والتنعم، والتزام خشن الثياب وأبسطها تزكية وتصفية للنفوس.

ولعل هذا الاشتقاق أقرب إلى الحقيقة في اعتقادنا، ونرجحه كما رجحه البعض من أهل التصوف كالسهروردي (ت 487هـ)(2)، وغيرهم كالعلامة ابن خلدون(3) نظرا إلى التطابق اللغوي للاشتقاق بين التصوف والصوف من جهة، ومن جهة أخرى تميز أهل الزهد بلبس الخرق الصوفية منذ القديم، حتى صارت لهم صفة يوصفون بها، وهي التصوف دلالة على فعل درجوا عليه وتميزوا به وهو لبس الصوف.

2 - تعريف التصوف:

يقول الكتاني (ت 322هـ): "التصوف خُلق، فمن زاد عليك في الخُلق فقد زاد عليك في الصفاء"(4). ويقول أيضا: "التصوف صفاء ومشاهدة"(5). "ولعل هذا التعريف من أدق التعريفات، فقد جمعت عباراته بين جانبين يكونان وحدة متكاملة، أحدهما: وسيلة، والثاني: غاية. أما الوسيلة: فهي الصفاء، وأما الغاية: فهي المشاهدة. والتصوف من هذا التعريف طريق وغاية"(6).

يقول السهروردي عن الصوفية: "فقلوب الصوفية واعية لأنهم زهدوا في الدنيا بعد أن أحكموا أساس التقوى، فبالتقوى زكت نفوسهم، وبالزهد صفت قلوبهم، فلما عدموا شواغل الدنيا بتحقيق الزهد انفتحت مسام بواطنهم، وسمعت آذان قلوبهم وأعانهم على ذلك زهدهم في الدنيا"(7).

أما ابن خلدون فقد عرف التصوف بقوله: "هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم، لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والإنفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة... والأظهر إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف، وهم في الغالب مختصون بلبسه، لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف"(8).

3 - أسباب ظهور التصوف:

بعد انتهاء الخلافة الراشدة، وظهور حكم بني أمية أصبحت السلطة ملكية، واتبع بنو أمية سياستين اقتضاهما الحفاظ على الملك في بيتهم يتوارثونه، فمن جهة كانوا يتبعون سياسة القمع، ويعملون السيف والعسف مع الخارجين عليهم من أهل العراق، وهم يبتلونهم بالجفاة الغلاظ من الولاة والعمال. في حين يصانعون أشراف الحجاز الذين كانت قلوب الساخطين الناقمين على سياسة بني أمية تتطلع إليهم، فترى الخلفاء يلينون لهم القول ويتجاوزون عن سيئاتهم، ويشجعون حياة اللهو والترف فيهم، بما يغدقون عليهم من العطاء، ليشغلهم عن التطلع إلى الخلافة ومناصب الدولة. أما ذوو الجاه الذين مد لهم السلطان في الأسباب فظلوا سادرين في لهوهم وترفهم، على حين يئس الآخرون من عامة أهل الحجاز وسواد أهل العراق من كل سبب من أسباب الدنيا، وكان هذا اليأس من المنصب، والحرمان من البر، والفرار من الفتنة التي حدثت في صفوف المسلمين مدعاة لعكوفهم على العبادة والزهادة، فانطووا على أنفسهم، يتذاكرون كتاب الله وسنة نبيه، ويشغلون أنفسهم بقصص الوعظ والزهد، والتصبر بما وعد الله الصابرين من أجر وجزيل الثواب.

عاد هؤلاء إلى نصوص القرآن والسنة النبوية يستخلصون منها نصوص الترغيب في ما عند الله وابتغاء ثواب الآجلة ليجعلوه منهجهم في الدار الفانية، ورأوا الزهد والانصراف إلى العبادة مرقاة الصعود إلى الله، وكسب رضاه، والوصول إلى المعرفة الكاملة لملكوت الله، وهم يقننون أن أسرار الملكوت محجوبة عن القلوب التي دنسها حب الدنيا، التي استغرق أكثر همها طلب العاجلة؛ بما فيها من رغد وزينة وجاه وسلطات.

والأصل هو معرفة الله تعالى، ثم سلوك الطريق إليه، فأما أمر الآخرة فيكفي فيه الإيمان المطلق، فإن للعارف المطيع معادا معدا، وللجاحد العاصي معادا مشقيا، فأما المعرفة تفصيل ذلك فليس بشرط في السلوك، ولكنه زيادة التكميل للتشويق، والتحذير. ويبدو من هذا أن السلبية كانت الطابع العام، ومحاربة النفس كانت الأصل عند أولائك الزاهدين في الدنيا، وزينتها.

ومع دخول الفلسفات والثقافات الهندية والفارسية واليونانية، وجد المسلمون في جمع ذلك التراث، ونقله إلى لسانهم العربي، وعملوا على تمحيصه وتطبيقه على تراثهم مما أدى إلى ظهور تيارات جديدة تناصر الفلسفات الوافدة، أو تمازج بينها وبين ثقافتها، وعظم بذلك سلطان العقل، وطغى الجدل والمناظرات والمشاحنات، وعاد الأمر إلى أولائك الزهاد الذين انصرفوا عن الدنيا وزينتها، ولم تعد السلبية التي كانوا يؤثرونها تقبل منهم في هذا المجتمع المضطرب، فقد أصبح الفكر دعامة كل منهج من مناهج الحياة، سواء كان نظريا أو عمليا، ولذلك وجدوا أنفسهم في حاجة إلى فلسفة نظرتهم في الحياة، حتى تنهض أسس تماثل تلك الأسس التي أقام عليها غيرهم سلوكهم في الحياة(9).

ومع أن التصوف الإسلامي قد ظهر للأسباب الأنفة الذكر، إلا أن التصوف موجود في كل الديانات، وكل المجتمعات قديما وحديثا، بل إن التصوف تجربة إنسانية مثله مثل الفلسفة قد يتجاوز حدود الأديان والاعتقادات، إنه تجربة وخبرة معرفية وتربوية وأخلاقية عرفها البشر جميعا، ومارسها الناس في عقائدهم المختلفة. إنها سعي إلى تحقيق سعادة الذات، من خلال تجربة روحية ذاتية، تعمل على الاتصال بالمطلق عن طريق حدس الذات، وتسخير الجسد والعقل، لخدمة السمو الروحي.

إن التصوف عملية عبور من المادة إلى الروح، من الجسد إلى النفس، ومنه نستنتج أن التصوف يعبر عن الحس الديني عند المتصوف، ولما كان الحس الديني يمثل غريزة التعلق بالكامل أو الكمال، فإنه أمر موجود عند جميع البشر حتى عند الذين يحاولون إخفاءه أو إنكاره، إنهم دوما يدركون نقصهم وتعلقهم بالمطلق، حتى ولو اختلفوا في طبيعة هذا المطلق، أو أنكروه في الظاهر، إلا أنهم يؤمنون به في الباطن.

4 - الغزالي وعلم التصوف السني:

يشهد ابن خلدون أن الغزالي مؤسس لعلم التصوف، إذ جمع ما قاله فيه أسلافه، وبين أصول التصوف وآدابه، وحدد مناهجه وأهدافه، إذ يقول ابن خلدون في ذلك: "كتب رجال من هذه الطريقة في طريقتهم. فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس... المحاسبي (ت 243هـ)؛ ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجدهم... كما فعل القشيري (ت 465هـ)، والسهروردي (ت 587هـ) وأمثالهم، وجمع الغزالي بين الأمرين في كتاب الإحياء، فدون فيه أحكام الورع والإقتداء، ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم. وصار علم التصوف في الملة علما مدونا، بعد أن كانت الطريقة، عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال"(10).

كما ينتقد ابن خلدون التصوف الذي يقول بالحلول والإتحاد، ويرجع أصوله إلى الشيعة، والإسماعيلية في تقديسهم لأئمتهم، وقولهم بالظاهر والباطن، كما ينتقد شطحات الصوفية، وإن كان يدعو إلى حمل ألفاظهم على القصد الجميل، لأنهم أهل غيبة عن الحس، فينطقوا بما لا يقصدونه، والتصوف المحمود عنده هو تصوف سلف الأمة الذين لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب، وإنما همهم الاتباع والاقتداء بالرسول (ص) وصحابته الأطهار(11).

وقد أمتاز تصوف الغزالي بأنه حصيلة تجربة ذاتية عميقة، بدأت بأزمة شك حادة أعجزت الغزالي عن التدريس، ودفعته إلى الاعتكاف والاعتزال والتعبد طلبا للحقيقة، وسعيا لتبديد الشك والوصول إلى اليقين، حتى ألهمه النور الباطني الحقيقة، التي تجسدت في العودة إلى الله وتصفية النفس لتصل على اليقين، وقد عبر عن تحصيله للتصوف بقوله: "أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل، وكان حاصل عملهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله. وكان العلم أيسر علي من العمل فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم... وحصلت ما يمكن أن يُحصل من طريقهم بالتعلم والسماع، فظهر لي أن أخَص خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق والحال وتبدل الصفات"(12).

حيث كان الغزالي في بحثه عن الحقيقة، صاحب فكر حر، أنكر التقليد، وانتقد الجمود وآمن بالعقل المستنير بالشرع، وإذا كان الغزالي متصوفا، فإن تصوفه ليس صوفية العامة، التي تشوبها مظاهر الجهل والشرك، وإنما صوفية مستنيرة جادة مجاهدة في طلب المعرفة، المعرفة بكل أشكالها موافقة كانت أو مخالفة، أخذ بها أو لم يؤخذ. وهي صوفية تقف في وجه الابتداع، وتقف أيضا في وجه التقليد، صوفية تقف في وجه شطط العقل، وفي نفس الوقت تحترم أحكام العقل التي لا تقبل الاختلاف؛ حتى ولو عد ذلك في نظر الجامدين خروجا عن الدين ومخالفة للنصوص، إنه يؤول تلك النصوص بما يتفق وأحكام العقل ونواميس الطبيعة، ويذهب إلى أن الإصرار على تقبل النصوص على ما فيها من مخالفة لصحيح المعقول، مضر بالإسلام ومشكك في صحة العقيدة(13).

5 - التصوف تربية للنفس عند الغزالي:

أدرك الغزالي أن التصوف إنما يتم بعلم وعمل، أي بالمعرفة والممارسة معا. الطريق الأول: العلم وقد بدأ الغزالي بتحصيله من كتب أهل التصوف، مثل (قوت القلوب) لأبي طالب المكي (ت 386هـ)، (والرعاية لحقوق الله) للحارث المحاسبي (ت 243هـ)، والمتفرقات المأثورة من أقطاب الصوفية مثل الجنيد (ت 297هـ)، والشبلي (ت 334هـ)، والبسطامي (ت 261هـ) وغيرهم.

ولما أدرك الغزالي أن خصوصية التصوف تعرف بالذوق وليس بالتعليم. ومنه كان الطريق الثاني: العمل وهو التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل المذمومة، لكي يتوصل إلى على تصفية القلب عن غير الله، ليملأ بذكر الله، ويعبر الغزالي عن ذلك التأزم النفسي، والخوف من لقاء الله، دون الوصول إلى تصفية النفس وتحقيق الإخلاص: "وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمح لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الحياة والمال، والهروب من الشواغل والعلائق"(14).

"كان أثر شخصية الغزالي لا يقل عن أثر كتاباته وأخصها بالذكر (إحياء علوم الدين) ذلك بنفوذه إلى مجتمعات ما كانت تحفظ للتصوف أي مودة حتى ذلك الحين... فقد أشاع في التصوف روحا محافظة وآراء قوية شديدة التماسك كانت بمثابة أشبه (بكابحات) في ذلك الزمن العاصف الذي عقبه"(15).

فقد امتاز تصوف الغزالي بالاعتدال، والتشبث بالقرآن والسنة، وتتبع ما ثبت عن الرسول وصحابته والتابعين من زهد وتقشف، فعد عند المؤرخين بالتصوف السني، البعيد عن التصوف الفلسفي، إذ يقسم البعض التصوف إلى أنواع هي: التصوف الفلسفي المتأثر بالأفلاطونية، وقد ظهر عند بعض الفلاسفة المسلمين، (كأبي نصر الفارابي (259هـ - 339هـ) وأبي علي الحسين ابن سينا (370هـ - 428هـ)، وأبي بكر بن طفيل (500هـ - 580هـ).

التصوف الغنوصي، القائل بالإتحاد والحلول، والمتأثر بعقائد فارسية وهندية، ويمثله الحسين بن منصور الحلاج (244هـ - 309هـ)، وأبو محمد بن سبعين (614هـ - 669هـ).

التصوف السني، المبني على الزهد والتقشف الذي عرف عليه النبي (ص)، وصحابته، ويمثله: أبو القاسم الجنيد (ت 297هـ)، الحارث المحاسبي (161هـ - 243هـ)، والغزالي (450هـ - 505هـ)(16).

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن التصوف عند الغزالي ليس الغرض منه الانغلاق على الذات، وتجنب المجتمع، بل كان التصوف عند الغزالي في صميم عملية الإصلاح التي كان ينادي بها، إذ من دواعي التصوف عند الغزالي محاولة إيجاد حركة قادرة على التأثير لتوحيد المسلمين في المشرق والمغرب.

لأنه لم يكن ممكنا لأي مذهب أو فرقة أن تعيد الوحدة للمسلمين، نظرا إلى الانقسام الحاد في المذاهب والعقائد، وقد كانت الحركة الصوفية التي تخاطب قلوب الناس، عالمهم وعاميهم دون تمييز، أفضل الوسائل وأسهل الطرق لتحقيق هذا الهدف، وخاصة مع إدراك الغزالي لخطر داهم هو زحف الصليبيين على العالم الإسلامي وخاصة فلسطين، وانقسام العالم الإسلامي، وتفتت الخلافة العباسية بسيطرة الإسماعيليين والفاطميين على مناطق واسعة من العالم الإسلامي من جهة أخرى.

لقد عمل الغزالي بكل ما أوتي من قوة للتوفيق بين التصوف والشريعة الإسلامية، وذلك على أساس أن التصوف تحقيق للشريعة لدى المسلم تصديقا وعملا. وخاصة بالتأكيد على الإيمان والتوحيد وإخلاص العبادة لله سرا وعلانية، وعدم الاكتفاء بأداء الشعائر الدينية في مظهرها الخارجي، دون أن تكون عن قناعة وصفاء للقلب.

كما حاول الغزالي دون شك تصفية التصوف مما لحق به من ممارسات مخالفة للشريعة، من المؤثرات العرفانية الفلسفية، وذلك لإرجاع التصوف إلى نبع الإسلام الصافي، وما كان عليه الصحابة من زهد وتقشف في العبادة.

لقد كان للتصوف دور هام في فلسفة الغزالي، نظرا إلى ثراء التجربة الصوفية في بعدها الإنساني، إذ "التقى التصوف بكل الأديان، وطبع سلوك الأنبياء والمرسلين، والتصوف من جهة أخرى، ذو علاقة وطيدة بعلم النفس، والغزالي من ناحية أخرى باحث في النفس، وفي التصوف مادة نفسية غزيرة، وحية تستوقف كل باحث، وتنشد اهتمام كل دارس"(17).

فالتصوف عند الغزالي أسمى مرحلة من مراحل التربية النفسية، ولعل المتأمل لتجربة الغزالي ورحلته من الشك إلى اليقين، يكتشف ذلك في حياة الغزالي الحافلة بالبحث عن الحقيقة، إذ اكتشف في التصوف ضالته متمثلة في الاستقرار والاطمئنان النفسي، الذي فقده بسبب الصراع السياسي والفكري الذي طبع عصره.

إن دعوة الغزالي إلى التصوف ليست دعوة إلى الكسل وعدم القيام بمتطلبات الحياة، وما تفرضه من التزامات. وإنما هي دعوة أخلاقية في صميمها جاءت لتحارب إقبال الناس على الدنيا دون مراعاة للحقوق والواجبات الدينية، بل سيطرت الشهوات والتنازع بين الناس، وانتشرت أمراض النفس المختلفة، فضاعت الحقوق في مجتمع سيطر فيه القوى على الضعيف، وسادت شريعة الغاب، وغابت شريعة الحق.

لقد تصور الغزالي التصوف تزكية للنفوس المريضة، التي غلب عليها تحقيق المطالب المادية، دون مراعاة للقيم الأخلاقية، ومنه كان التصوف دعوة إصلاحية، ناتجة عن تجربة الغزالي الشخصية في محاربة الأمراض الاجتماعية والنفسية، وحتى السياسية إذ لم يستكن، بل حارب أعتى الفرق المنحرفة، والتي اتخذت من القتل والإرهاب أسلوبا لنشر مبادئها.

فالغزالي لم يهرب من المجتمع بالتصوف، لينغلق على ذاته. وإنما قدم التصوف للمجتمع كعلاج لآفاته. لقد عمل الغزالي ليكون التصوف مقبولا دينيا واجتماعيا ليس كممارسة تعبدية فحسب، بل أيضا كممارسة تربوية علاجية لأمراض النفس، وانحرافات الأخلاق، ومنه برزت براعة الغزالي في تحليل النفس، وسبر أغوارها، وتفسير أحوالها.

إذ يؤسس الغزالي التصوف السني على مجموعة من القواعد والمبادئ، وقبل أن يتكلم عن تلك القواعد يؤكد الغزالي على ضرورة الارتواء من نبع الكتاب والسنة النبوية، والتزام ما فيهما من أوامر ونواهي، ولا يكون ذلك إلا إذا شمر المريد، عن ساعد الجد، وسهر الليالي عبادة وذكرا طلبا للمراد(18).

ويحتاج في كل ذلك إلى صبر، وتدرج في درجات محبة الله، ومواصلة الذكر لتحقيق حقيقة التوحيد، ولا يتأتى ذلك إلا إذا حقق المريد القواعد العشر وهي:
القاعدة الأولى: النية الصادقة الواقعة من غير التواء، بناء على حديث النبي (ص): "وإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى"(19).

والمراد بالنية عزم القلب الصادق على الفعل أو الترك لله، والاستمرار على ذلك، وعدم تغيير تلك النية، والقصد إلى الفعل دون ربط ذلك بأي عرض من أعراض الدنيا، والعمل دوما للحق، ولا يترك ما نواه أو عزم عليه للخلق(20).
القاعدة الثانية: إخلاص العمل لله، من غير شريك، ولا اشتراك، وعدم الرضا بغير الحق، والثبات عليه وتجنب الخلق، وكل الشبهات، والتخلق بالقناعة(21)، وقد أكد الغزالي الإخلاص بنصوص شرعية متمثلة في الأحاديث نذكر منها: "أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك"(22)، وأيضا "تعِسٌ عبد الدينار"(23)، وكذلك "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"(24)، و"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"(25)، و"كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل"(26).

والملاحظ أن القاعدة الثانية امتداد للأولى وشرح لها، وإذا رجعنا إلى الإخلاص عند الصوفية وجدنا البعض كالسهروردي يعتبره سرا من أسرار الله يهبه من يشاء، بل اعتبره البعض أساس التصوف.

القاعدة الثالثة: إتباع أوامر الشرع، وذلك "بموافقة الحق بالاتفاق والوفاق، ومخالفة النفس بالصبر على الفراق والمشاق وترك الهوى"(27). وذلك بالالتزام بكل ما جاءت به الشريعة، والميل لأوامر الله، وليس لأوامر الدنيا.

القاعدة الرابعة: "لعمل بالإتباع لا بالابتداع، لئلا يكون صاحب هوى، ولا يزهو برأيه زهوا فإنه لا يفلح من اتخذ لنفسه في فعله وليا"(28).

وهنا على المريد أن يتبع السنة ولا يتبع أصحاب الأهواء والفرق الضالة عن الحق، ويلتزم طريق أهل السنة.

القاعدة الخامسة: علو الهمة في إتباع السنة، وتجنب التسويف، وتأخير الأعمال، والتزام إتقان وإتمام العمل في وقته، وتجنب التشيع، والاعتزال، والابتداع، وإنما إتباع أهل السنة(29).

وفي هذه القاعدة يؤكد الغزالي ويكرر ما جاء سابقا من ضرورة إتباع السنة، فهو يبرز مذهبه وانتماءه لأهل السنة، ويؤكد أن تصوفه سنيا، داعيا إلى تجنب الفرق التي كانت تناوئ المذهب السني، خاصة الشيعة والمعتزلة معتبرهم من المبتدعة.

وهو موقف سياسي وإيديولوجي نلاحظ أن الغزالي يلتزمه في كل فلسفته الإصلاحية التي يقدمها، والتصوف مصدر من مصادر هذه الفلسفة.

القاعدة السادسة: العجز والذلة وذلك أمام قدرة الله وإرادته، وليس العجز عن العمل والكسل عن الطاعات، واحترام وتوقير جميع الخلق، وتجنب التكبر على المخلوقات، لأن ذلك تكبرا على الله، وهو إثبات الضعف والعجز، والمسكنة أمام الله(30).
القاعدة السابعة: الخوف والرجاء حقا، إذ رغم تضادهما، إلا أنهما يجتمعان في التصوف، إذ أن الخوف ضروري لحدوث الطاعة، وتجنب المعاصي ومحاربة الشهوات يحتاج إلى خشية الله، والحذر من عقابه، والخوف هو طريق لحصول الفضائل كالعفة، والورع والتقوى والمجاهدة، ويكون ذلك بالخوف من عقاب الله، وغضبه.

أما الرجاء فهو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده، ويكون لنيل ثواب الله ورضاه، والأهم عند المتصوف هو الظفر بحب الله، والشوق إلى لقائه.

إذ يبين الغزالي في دقة أهمية الخوف والرجاء، من الناحية النفسية، بحيث يتجنب المتصوف ما يغضب الله خوفا، ويسعى إلى ما يرضيه رجاءا لمغفرته، وطلبا لثوابه، إذ يقول في ذلك: "والرجاء محمود لأنه باعث واليأس مذموم وهو ضده، لأنه صارف عن العمل، والخوف... باعث آخر بطريق الرهبة، كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة فإذا حال الرجاء، يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة، على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال، ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله تعالى، والتنعم بمناجاته، والتلطف في التملق له"(31).
القاعدة الثامنة: دوام الذكر: أي الالتزام بالورد، إما في حق الحق، أو حق العباد، فإن من ليس له ورد، فما له من الموارد إمداد... فإن النفس تنبسط لذلك جهرا وسرا، وتراعي حقوق العباد، كما يتوقع منهم خيرا وشرا، فيحب ويبغض لهم ما يحب ويبغض لنفسه إن خيرا أو شرا، ويعمل لله تعالى ما يرضى، كما يحب أن يفعل الله به ما يرضى(32).
القاعدة التاسعة: المداومة على مراقبة الله: وهي دوام العلاقة بالله، ومراقبة القلب وتعميره بذكر الله، ونفي غير الله منه.

ثم تزيد في مراقبته إلى أن تترقى إلى عين اليقين، ثم يفنى عن ذلك به، وذلك حقيقة اليقين، فيقول: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه سبحانه وتعالى، هو القيوم على كل شيء، بقيوميته، وذلك هو الشيء القائم بأمره وقدرته، على حسب المشاهدة والمحاضرة، فتأدب مع الخلق، وعاشرهم أحسن المعاشرة(33).
القاعدة العاشرة: معرفة ما يجب الاشتغال به، أي تعلم ما يجب القيام به ظاهرا أو باطنا، وذلك بإتباع أوامر الله ونواهيه، وعدم الاستغناء عن العبادات والطاعات، وتصفية القلب من الكدورات(34).

عُد التصوف عند الغزالي نهاية المطاف لكل العلوم، فهو مصدر المعرفة الحقيقة التي هي معرفة الله، وعليه فإن طريق التربية الصحيحة يمر عبره، ولذلك فهو المرحلة النهاية التي يسلكها المتعلم بالتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، للوصول إلى الحق.

ومنه نستنتج أن الغزالي يقدم التصوف كأساس للتربية، ووسيلة تحقيقها المثلى، لأنه يجمع بين طرفي التربية العلم والعمل، التفكير والتدبير، النظر والممارسة، وعليه فتأسيس فلسفة التربية على التصوف عند الغزالي يعد من أهم ما يميز هذه الفلسفة التربوية التي يدعو إليها الغزالي، لأنها تربية تستهدف تصفية النفس وتهذيب الأخلاق، ورياضة الجسد، والسعي إلى المعرفة الحقة، التي تتجلى فيها الحقائق فينال صاحبها السعادة والرضا، وهو أسمى ما تسعى إليه كل الفلسفات، ونظريات الأخلاق والتربية.

الهوامش:

1 - ابن منظور: لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير وآخرون، دار المعارف، القاهرة، (د.ت)، ج4، مادة صوف، ص 2528.
2 - السهروردي: عوارف المعارف، هامش إحياء علوم الدين، عالم الكتب، دمشق، (د.ت)، ج1، ص 292.
3 - عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، مؤسسة الأعلمي، بيروت، (د.ت)، ص 467.
4 - عبد الفتاح محمد سيد أحمد: التصوف بين الغزالي وابن تيمية، دار الوفاء، ط1، المنصورة، مصر 2000، ص 16.
5 - المرجع نفسه، ص 17.
6 - نفسه
7 - السهروردي: المصدر السابق، ص 197.
8 - عبد الرحمن بن خلدون: المصدر السابق، ص 467.
9 - بدوي طبانة: مقدمة في التصوف، فوترا سماراغ، إندونيسيا، (د.ت)، ص 6.
10 - عبد الرحمن بن خلدون: المصدر السابق، ص 516.
11 - المصدر نفسه، ص 522 - 525.
12 - أبو حامد الغزالي: المنقذ من الظلال، المكتبة العصرية، ط1، صيدا - بيروت 2003، ص 65.
13 - بدوي طبانة: المصدر السابق، ص 17.
14 - الغزالي: المصدر السابق، ص 67.
15 - رينولد ألن نيكلسون: التصوف، بحث في تراث الإسلام بإشراف توماس أرنولد، تعريب جرجيس فتح الله، دار الطليعة، ط3، بيروت 1978، ص 325 - 326.
16 - هنري كوربان: تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة نصير مروة وآخرين، منشورات عويدات، ط3، بيروت 1983، ص 282 وما بعدها.
17 - البخاري حمانة: الإدراك الحسي عند الغزالي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، (د.ت)، ص 22.
18 - الغزالي: القواعد العشرة، المكتبة العصرية، ط1، صيدا - بيروت 2003، ص 119.
19 - حديث صحيح، رواه عمر بن الخطاب، صحيح البخاري، باب بدء الوحي.
20 - الغزالي: المصدر السابق، ص 121.
21 - المصدر نفسه، ص 122.
22 - حديث صحيح، رواه أبو هريرة من حديث طويل عن الإيمان.
23 - حديث صحيح، رواه أبو هريرة، في صحيح البخاري، باب الحراسة في الغزو.
24 - حديث رواه أبو هريرة، سنن الترمذي، قال الترمذي: حديث غريب، كتاب الزهد.
25 - حديث رواه الحسن بن علي، سنن الترمذي، قال الترمذي: حسن صحيح، كتاب صفة القيامة.
26 - حديث صحيح، رواه عبد الله بن عمر، صحيح البخاري، كتاب الرقائق.
27 - الغزالي: القواعد العشرة، ص 123.
28 - المصدر نفسه، ص 124.
29 - نفسه.
30 - المصدر نفسه، ص 125.
31 - الغزالي: إحياء علوم الدين، عالم الكتب، بطلب من مكتبة عبد الوكيل الدروبي، دمشق، (د.ت)، ج4، ص 125.
32 - الغزالي: القواعد العشرة، ص 125 - 126.
33 - المصدر نفسه، ص 126 - 127.
34 - المصدر نفسه، ص 127 - 128.

الإحالة إلى المقال:

* ميلود حميدات: التربية الصوفية عند الغزالي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العاشر 2010. http://annales.univ-mosta.dz


تحميل المقال ar

ملخصات العدد العاشر